أيمن الجندى يكتب | باب الولى

أيمن الجندى يكتب | باب الولى

د.-أيمن-الجندى1

يضيق ويتسع! يتجهم ويرحب! يفضى إلى أسرار علوية وبشارات مفرحة لا يتلقاها إلا الذين يُؤذن لهم بالدخول.

«درب الأتر»، أحد الأزقة العتيقة التى تفضى مباشرة إلى المسجد الأحمدى الكبير. هناك حيث مقام الولى «السيد البدوى» المُلقب بالسطوحى. والذى لم يطق ساترا يحجبه عن النجوم المتلألئة فى القبة السماوية.

كنت فى العاشرة من عمرى حينما سمح لى والدى بالذهاب وحدى هناك. وحينما دلفت إلى «درب الأتر» حملتنى غمامة من روائح الهيل والبخور والقرنفل إلى الأفق السماوى. وتعلمت كيف أحب القلل البخارية والفوانيس الزجاجية والشموع الملونة.

فى واحدة من هذه الزيارات كان لقائى الأول بـ«باب الولى». سمعت أذان العصر فتبعت الصوت إلى زاوية صغيرة ترتفع عن الأرض بمقدار سلم ملتو متآكل، ويختفى مدخلها بالمشغولات الجلدية والحقائب المعلقة فى المتاجر المجاورة. وحينما صعدت السلم المتآكل وجدت أن عدد المصلين لا يزيد على صف واحد، أغلبهم من كبار السن الذين يغلب عليهم سمت الرضا والسماح. وشعرت فى هذه الزاوية الصغيرة المنسية بروح وريحان وياسمين. فيما بعد علمت أنهم ينتمون إلى طريقة صوفية. أما شيخهم فقد كان معتكفا فى حجرة صغيرة جدا، أصغر غرفة رأيتها فى حياتى لكن يغمرها ضوء لطيف. والأغرب أن الباب المفضى إليها ضيق بشكل لم أشاهد له مثيلا، لا يكاد يتسع لمرور طفل نحيف. وبداخل الحجرة شاهدت فى غلالة من نور شيخا باسما ينظر نحوى فى هدوء.

وأشار لى كى أدخل. وبرغم نحافة قوامى وقتها لم أستطع الدخول إلا من الجانب بعد أن كففت عن التنفس، حتى وجدتنى داخل الغرفة وجها لوجه مع الشيخ المهيب.

شرعت أتأمل ملامحه التى تفيض نورا، ولحيته البيضاء التى تحف بوجهه كالهالة، وصفاء عينيه وقدرتها على النفاذ.

قبلت يده متهيبا فدعا لى طويلا ثم مسح على رأسى وأمرنى بالخروج. وعندما خرجت وجدت استقبالا حافلا من رواد المسجد، وكأنهم يغبطوننى على احتفاء الشيخ بى. وتساءلت فى براءة الأطفال عن سر الباب الضيق فقال أحدهم فى غموض: «إنه باب الولى». قلت فى براءة طفل: «ولكنه لا يتسع لدخول أحد؟». هنالك تبادلوا نظرة باسمة توحى بسر مشترك ولم ينطق أحد. وتعودت كلما جئت إلى درب الأتر أن أذهب إلى هذا المسجد الصغير. وذات يوم كانت دهشتى عارمة حينما شاهدت رجلا ضخم الحجم يجلس مع الشيخ الولى. وحين تساءلت عن كيفية دخوله، همس لى أحدهم فى سرور: «الباب يتسع إذا كان مأذونا له بالدخول».

واعترتنى الهيبة فسكتّ. لم أعلم وقتها أن الولاية سر من أسرار الكون العلوية وليست لعبة الأطفال. وتهيبت أن أقترب بعد ذلك من باب الولى الذى يتسع ويضيق. ومرت الأيام وتباعدت زياراتى للمسجد. وانشغلت بحياتى الجديدة بعد أن تدفقت الهرمونات القلقة فى دمى، وذهب على الأرجح ذلك الشىء الذى دعا الولى أن يسمح لى بالدخول. ومر العمر حتى وجدتنى وجها لوجه أمام المسجد العتيق.

واستعدت الذكريات كلها فى ومضة عين. وتذكرت الولى والباب الضيق! أتراه ما زال يتسع ويضيق! وصعدت السلم فى بطء فلم تصافحنى السحابة المعتادة من الروح والريحان والياسمين. وإنما وجدت بعض المصلين من أصحاب اللحى الطويلة والسمت السلفى! أما الباب الضيق فقد تمت إزالته، لتتحول غرفة الولى إلى مخزن فيه دلو ومكنسة وغيرهما من أغراض التنظيف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.