أيمن الجندى يكتب | بيت «آل مأمون»

أيمن الجندى يكتب | بيت «آل مأمون»

د.-أيمن-الجندى1

وسط كل العمارات الشاهقة الحديثة فى هذا الحى، يبقى بيت «آل مأمون» قديما منفردا مكونا من طابق واحد، لا تسكنه إلا الست «صفية» الوحيدة التى بقيت من سلالة «آل مأمون». منذ ثلاثين عاما لم يتغير شكلها إلا طفيفا، بقامتها القصيرة وظهرها المحدودب وهيكلها النحيل. يضرب سكان الحى كفا على كف، أهذه المرأة العجوز، التى لم تتزوج ولا وريث لها، ويشوب طبعها المرارة والدمامة، تملك هذا البيت الذى يُقدر ثمن أرضه بعدة ملايين! والحقيقة أن السيدة صفية كانت تنفق من معاش ضئيل لكنه يكفيها. وعندما حاول البعض إغراءها بالبيع فإنها صدتهم فى حزم. إذ ما حاجتها للمال هى التى لا تأكل إلا النزر اليسير. لقد ألفت هذا البيت الواسع العتيق الذى عاشت فيه عمرها، وتكونت فيه جميع ذكرياتها، ولم تعد تتصور أن تعيش فى مكان آخر.

كانت هى وأختها «نادية» فى مقتبل العمر، تعيشان مع والدهما الذى أقعده المرض مبكرا. ومثلما تضمحل السلالات العريقة، فإن صفية ورثت من أبيها الهيكل المتداعى والجسد العليل. «نادية» وحدها كانت كالزهرة اليانعة، التى خرجت من بين الشوك، ندية، بهية، زكية الرائحة. لذلك حين وقعت فى الحب، ورفض والدها زواجها، فإنها لم تتردد فى الاقتران بحبيبها والهجرة معه خارج البلاد.

ذات صباح طرقت الباب فتاة جميلة تزعم أنها ابنة نادية التى ماتت فى المهجر، وبجوارها زوجها الشاب. منذ النظرة الأولى أدركت الست صفية أنها تحمل وجه نادية بالفعل حين كانت فى عمرها، وأدركت أيضا أنها لن ترحب بها مطلقا فى هذا المكان.

لقد كانت سيدة المكان وحدها. ورتبت حياتها أن تقضى ما تبقى من عمرها فى ربوع هذا البيت دون إزعاج.

لكن الأوراق الثبوتية كانت فى مصلحة الزوجين. وبالفعل أقاما فى المنزل. وهنا فار غضب عارم، وأقنعت نفسها بأنهما وضعا أيديهما عنوة على مملكتها الوحيدة.

كان الهرم والعزلة قد جعلاها شرسة وأنانية. وعندما أدركت أن الشابين كانا عاشقين فقد تزايد غضبها.

لكن المعاملة الجافة المتعمدة لم تمنعهما من مواصلة القبلات والملاطفات والمرح والعدو. كانا شابين فى مقتبل العمر، وكانت ضحكاتهما الطروب تصل إليها فى غرفتها الموحشة. كانا سعيدين، مرحين، لا يحملان هما من هموم الدنيا مثل سائر العشاق السعداء.

وأصبحت الست صفية تقضى معظم اليوم تتمنى موتهما. وما هو إلا عام واحد إلا وأنجبت العروس ذكرا متوردا أكبر حجما من المعتاد ومبتسما على الدوام. وبرغم محاولاتهما المتعددة لاكتساب قلب الخالة النافرة فإنها أصرت ألا تراه.

وفجأة أثناء خروجهم تأخرت عودتهم أكثر من المعتاد. وبالفعل أخبروها بأن الزوجين الشابين قد قضيا نحبهما فى حادثة مرورية لم ينج منها إلا الطفل الصغير.

كانت هذه هى المرة الأولى التى تراه فيها. ولأنه لم يفهم بعد حجم خسارته فقد ظل مبتسما كعادته، وإن شاب ابتسامته بعض القلق. وبالرغم من قسوة طبعها فقد أثارت رؤيته مشاعرها وحركت أوتار قلبها. وسقته الحليب وجعلت تشاهده فى صمت حينما نام. وعندما استيقظ ولم يجد أمه جواره كالمعتاد تحرك فى قلق، ولم تدر الست صفية ماذا تصنع به، إذ لم يتقدم أحد لرعايته، وبرغم أنها اجتهدت فى إطعامه والعناية به، فإنه لم يمض وقت طويل حتى مات.

وخلا البيت الكبير بشكل نهائى للست صفية وحدها.

 

 

 

 

 

 

 

 

المصدر:المصرى اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.