أيمن الجندى يكتب | بيت العفاريت

أيمن الجندى يكتب | بيت العفاريت

د.-أيمن-الجندى1

الرواية كما يحكيها سكان الحى:

كان البيت محاطاً بالغموض والعزلة. منذ طفولتنا ونحن نسمع أقاويل متناثرة عن اتصاله بالعالم الخفى غير المرئى، الذى نحترق فضولاً إليه ونخشاه فى الوقت نفسه. على عكس المألوف لم يكن هناك سبب واضح لسكنى العفاريت ذلك البيت. لم يُقتل فيه أحد. لم يسل على أرضه دم مسفوح. لم يقرأ أحد على ضوء الشموع صفحات السحر الأسود. غالب الأمر أن العفاريت قد سكنته لأنه راق لها لأسباب تعرفها العفاريت ونجهلها نحن. وقد اعتاد سكان المنازل المجاورة حدوث الأعاجيب فى ذلك البيت. الأصوات الغامضة التى لا تعرف مصدرها! الأضواء المتقطعة التى تظهر فجأة! نار تضطرم ثم تسفر عن لا شىء! شبابيك تحركها رياح غير موجودة! لقد كانت العفاريت تعلن عن وجودها بهذا البيت بوضوح مُبالغ فيه، ولم يبق إلا أن تعلق لافتة مكتوباً عليها «احذر العفريت».

وفجأة سكن البيت رجل منطوٍ على نفسه. احتشدنا فى شرفات البيوت كى نشاهد الأعجوبة. الشيش المغلق صار مفتوحاً على مصراعيه، والنور مُضاء كأنها شقة عادية. وذلك الساكن الجديد، الشجاع أو الأحمق، هل من واجبنا أن نحذره؟ أم نلزم الصمت لنعرف حقيقة البيت المسكون!

لكن الساكن الجديد كان راغباً عن التعارف. برغم الفضول الذى يلهبنا لمعرفة الحقيقة. كنا نتوقف عن الكلام بمجرد ظهوره. ونتابعه بالنظرات التى تثقب ظهره. وفجأة وقف الساكن الغريب وراح يصرخ فى وجوهنا. تملكنا الذهول لوهلة ثم بدأنا نضحك.

■ ■ ■

الرواية كما يحكيها الساكن:

أن يتركك الناس لحالك فهذا هو المستحيل الذى لا يحدث أبداً. لا بد أن يتطفل المتطفلون على أخص شؤونك. لا بد أن يعرفوا ماذا تملك؟ وهل تعانى من الانتفاخ؟ وكم مرة تدخل الحمام فى اليوم والليلة؟ لا يتقبلون أبداً حقيقة أن هناك مستوحشين يؤثرون الوحدة. ولا يرغبون أن يتطفل الناس على شؤونهم. هكذا لم أجد فراراً سوى البحث عن بيت مسكون بالعفاريت ربما يتركنى الناس بعدها لشأنى. الناس يخافون المجهول، وقد نويت أن أستفيد من هذا الخوف. لكن لا شىء فى مصر يتم بسهولة. لا أحد يقول لك لا أعرف. بمجرد أن أطلب بيتاً مسكوناً حتى يقول السمسار على الفور وعلى وجهه سيماء العارفين: «آه. فيه بيت ساكنه عفريت فى الحى الفلانى». يقولها كأننا ذاهبون إلى نزهة. وأذهب معه إلى شقة تسكنها الشمس ويطبخ الجيران تحتها (اللوبيا). ويجرى الأطفال الذين نزع أهلوهم لباسهم الأسفل وتركوهم بالفانلة فقط كى يأخذوا راحتهم. أصرخ وأقول: هذه شقة يستحيل أن تسكنها العفاريت. العفاريت حساسة وتكره البشر مثلى.

وأخيراً وجدت هذه الشقة. منذ اللحظة الأولى أدركت أنها مسكونة بالفعل. بمجرد أن أغلقت الباب حتى ظهر العفريت ناظراً نحوى فى تعاسة. صارحته بوضوح أننى فررت من البشر. وأننى مثله أؤثر العزلة. ظهر الارتياح على ملامحه وبان بوضوح أننا سنتفاهم. وهكذا مرت بنا الأيام، أنا والعفريت نحيا فى هدوء، شعارنا: «سلام عليكم يا جارى، أنت فى حالك وأنا فى حالى».

لكن الناس لم يتركونى فى حالى. تملكهم الفضول كى يسألونى عن العفريت وماذا أفعل معه؟ فقدت أعصابى وصرخت فيهم: «ده انتم تخوفوا ميت عفريت». والغريب أنهم بدلاً من أن يخجلوا من أنفسهم ويتركونى فى حالى، راحوا يقهقهون ويتراقصون حولى. آل عفريت آل! عفريت لما يركبهم.

 

المصدر:المصرى اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.