أيمن الجندى يكتب | تدابير شيطانية

أيمن الجندى يكتب | تدابير شيطانية

د.-أيمن-الجندى

جلستُ مع عمى ننتظر الخبر. كان عصبيا ومتوترا ويوشك ألا يجلس على المقعد. ومن آن لآخر ترتجف يداه المعروقتان العجوزتان، ويتمتم بصوت مرتعش:

 

«سيموت. أنا متأكد من ذلك».

 

بدأ الأمر منذ شهر تقريبا. اجتماع عائلى ضم بعض الأقارب الأبعدين. من المعتاد عندنا، نحن الشباب، أن نلزم الصمت تأدبا ونترك الكبار يتفاهمون فيما بينهم. وربما نخفى ضحكاتنا فى أكمامنا حين نشاهدهم يتشاجرون كالأطفال. عمى العجوز والعصبى جدا يغضب من أبسط الأشياء ويوجه الإهانات. لكن أنداده لا يصمتون مثلما أصمت. أبتلع لسانى داخل فمى كونى وريثه الوحيد. الثروة الطائلة هددنى أن يحرمنى منها لو ضايقته أدنى مضايقة. ولم يساورنى شك أنه سيفعلها بلا تردد. عمى الحقود الشرير.

 

مازلت أذكر هذه الأمسية. كان شجاره مع أحد عجائز العائلة قد بلغ حدا كونيا وسمعه سكان النجوم. غادر عمى المكان مستندا على ذراعى وهو يكيل اللعنات. كنت مضطرا لمجاراته رغم أننى أرحب بأى شىء يضايقه. عمى الذى يتركنى على الكفاف رغم ثروته الطائلة التى تبلغ الملايين.

 

فى الصباح التالى جاءنا الخبر. قُتل غريم عمى فاستقبلت الخبر بخشوع. لكن عمى تلقى الخبر فى شماتة. ظل يرتجف طوال اليوم ويذهب ويجىء. وحين وجدنى لا أشاركه حماسته طردنى تقريبا من بيته، عالما أننى سأعود فى الصباح التالى كالكلب الذليل.

 

بعد أسبوع تشاجر مع صاحب المتجر المجاور. سمعتهما يتبادلان السباب الفاحش. ثم ذهبنا إلى البيت معا وهو يبصق ويسب. وفى الصباح التالى وجدنا جثة صاحب المتجر مهشمة الرأس ممددة على الإفريز.

 

تلقى عمى الخبر باستمتاع بالغ. لمعت عيناه ببريق مجنون. ولأول مرة يعزف عن طعام الغداء، هو الحريص على صحته، والمتوقع أن يضرب الرقم القياسى فى عائلة مشهورة بطول الأعمار.

 

تملكه حال عجيب تماما. وأخبرنى وهو يلهث من الانفعال بأن كل من يضايقونه يموتون. وصار يترقب من يجرؤ على الشجار معه، لينفذ فيه القضاء بلا إبطاء.

 

المؤيد من السماء، المحروس بالقوى الغامضة، عمى العجوز الذى نسيه الموت، الثرى البخيل. وجاءت المشاجرة التالية مع مالك البناية، لرفضه أن يدفع نصيبه من صيانة المصعد. عمى العجوز المنحنى من شيخوخته، غير القادر أن يرفع ورقة، شاهدته يرتجف من الإثارة والانفعال. عيناه الباهتتان تلمعان ببريق مخيف.

 

انتهت المشاجرة وعدنا إلى البيت معا، وعمى يرتجف من النشوة، ويؤكد أن غريمه ميت لا محالة. تسلطت عليه فكرة أن القوى الغيبية تثأر له وتغتال خصومه. رغم غرابة الفكرة لم أستطع النوم. هل من الممكن أن يكون عمى على حق ويموت غريمه فى الغد؟

 

وجاء الصباح التالى ونحن فى انتظار الخبر. وظل عمى على إيمانه. سيموت مالك البناية إن لم يكن قد مات!

 

وبالفعل لم يطل الانتظار. لكن من جاء هذه المرة هو الشرطة. جاءوا ليلقوا القبض على عمى. مستحيل أن يموت كل من يتشاجر معه دون أن يكون هو القاتل. أخبروه بأن كل القرائن ضده وأن الإعدام فى انتظاره. الغريب أن عمى لم يدافع عن نفسه، وكأنه يقر بمسؤوليته عما حدث.

 

وشرعت أرمق عمى وهو يختفى فى سيارة الشرطة بين ثلة من الجنود الأشداء. ولأول مرة أبتسم. كانت خطة بارعة أن أقتل كل خصوم عمى، وأضع بصماته على الأسلحة، كى يلتف حبل المشنقة حول عنقه وتصبح الثروة أخيرا من نصيبى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.