أيمن الجندى يكتب | حدث من قبل

أيمن الجندى يكتب | حدث من قبل

د.-أيمن-الجندى1

سار رجل الأعمال صوب الركن الهادئ من المطعم الذى اعتادا اللقاء فيه. وفجأة راوده شعور بالتشوش. مثل موجة راديو فقدت وضوحها فجأة. لكن سرعان ما انجلى ذهنه عن صفائه المعهود. وراح يتلفت هنا وهناك باحثا عنه. وقف له المسؤول الكبير وتعانقا فى ود ظاهر.

تبادلا التحية وتحدثا فى أمور عامة. أحدهما مسؤول يمتلك صلاحيات واسعة، والثانى رجل أعمال. لم يكونا أصدقاء بالمعنى المعروف للصداقة ولكن يجمعهما الود ومعاملات سابقة. ثبت تفاهمها فى أكثر من صفقة، وتبين أن كليهما جدير بالثقة.

وفجأة أحس بالوهن والارتباك. حين قدم إليه حقيبته المكدسة بالمال فإنه عرف أنه سيقول له هذه الجملة التى قالها بالفعل! إذ زفر فيما يشبه الزعل: «بس أعرف إنك ظلمتنى المرة دى». انتابه الذهول ولكنه سارع بالقول: «أحوال السوق كما تعلم! تأثرنا كثيرا بولاد ال… الذين أشاعوا جوا من عدم الاستقرار وضيعوا المصالح».

غمغم المسؤول بشىء ما. كان رجلا فى الخمسينيات مرشحا لأن يتوسد القمة فى وزارته. لا يقصد منصب الوزير طبعا فذلك مما لا يطمح إليه وربما يضره. يريد أن يظل كما هو. يمتلك صلاحيات واسعة فى تخصيص الأراضى وتحديد المخالف لشروط التعاقد. هذه أشياء يمكن ترجمتها إلى مال كثير، والسلامة مضمونة إذا توخى الحذر.

«لا شىء يذكر. لا توجد مشكلة». هكذا راح رجل الأعمال يقول لنفسه. إحساس المرء أنه مر بهذا الموقف من قبل مألوف والجميع يشعر به من آن لآخر. هو نفسه يعرف أن المسؤول نادم أنه وافق على عمولة ثلاثة ملايين فقط برغم أن الربح المتوقع يتجاوز الثلاثين مليونا. لقد ضغط كثيرا عليه حتى قبل بهذه العمولة! ولكن لماذا يسميها «عمولة؟». اسمها الصريح رشوة! مساحة أرض بثمن بخس فى أفضل المواقع وبيوت جميلة تبنيها شركته. والزبون موجود والبيع مؤكد والربح مضمون. مفروض أن يكون سعيدا! أليس كذلك؟

قال بوجه طلق: «متعوضة المرة الجاية إن شاء الله». وظهر فى عينى المسؤول الكبير أنه يفكر فى شىء ما. وقبل أن يبدأ الحديث عرف أنه سيطلب منه شقة فى المشروع القادم.

أظلم وجهه وقال فى قلق وهو ينظر لصاحبه: «يوجد شىء خطأ. أشعر أن هذا الحديث دار من قبل بكل تفاصيله».

ضاقت عينا المسؤول الكبير فى حذر. وقال هامسا: «أتظن أننا مراقبون؟ هل أخبرت أحدا بالأمر؟». دفن وجهه بين يديه وقال: «الموضوع لا يتعلق بالشرطة». جن جنون المسؤول لسماع اسم الشرطة، وقال فى غضب: «هل أخبرتهم؟ هل دبرت لى مكيدة».

وضع يده على مرفقه قائلا: «أقسم أننى لم أفعل. هل جننت؟ سأذهب معك فى داهية». وبدون كلمة قام المسؤول وهو يتناول الحقيبة لينصرف.

وقف يرمقه وهو يبتعد! لماذا جعله يشعر بالقلق؟ لقد خسره الآن إلى الأبد! ولكن هل هذا يهم؟ كل ما حدث توقعه قبل أن يحدث. فما تفسير ذلك؟

وفجأة راودته فكرة مرعبة. يُقال إن الإنسان حين يموت ويُنصب له الحساب فإنه يشاهد كل ما فعله مسجلا بالصوت والصورة! فهل هذا ما يحدث الآن معه؟

غزته قشعريرة باردة لمجرد الفكرة. الفيصل الوحيد أن يتنازل عن قطعة الأرض التى استلبها بالرشوة! ولكن هل يفعل؟ هل يستطيع أن يتخلى عن ربح مضمون يتجاوز الثلاثين مليون جنيها؟

دفن وجهه بين يديه وراح يفكر…

 

المصدر:المصرى اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.