أيمن الجندى يكتب | حذاء أبيض

أيمن الجندى يكتب | حذاء أبيض

د.-أيمن-الجندى1

تلقيت من د. شريف الرفاعى هذه القصة الرائعة.

«تهادت السيارة وانحرفت برشاقة لتحتل مكانها بين سيارتين متوقفتين فأسرع إليها. ضخمة مرتفعة بلون أصفر فاقع غير معتاد. مال على السيارة وبدأ فى مسح الزجاج الأمامى بخرقته المتسخة. تجاهل إشارة الرفض التى ألقاها الجالس أمام المقود، واستمر فى التظاهر بالعمل بهمة. هبط الزجاج فى صمت يليق بالهيبة التى تشع من السيارة وخرج منه رأس ممتعض يزعق: «امشى ياله». انصاع الولد فى صمت يليق ببؤسه. دار حول السيارة ببطء متعمد وهو يرمقها بنصف عين. جلس على الرصيف بعد أن تخطاها بخطوتين ونظر بحذر إلى السائق. رأس أصلع وشارب كث يغلب عليه اللون الأبيض. وساعة ذهبية تلمع فى الشمس. لسعته الشمس فقام وسار إلى مستقره تحت الكوبرى. شاهد السائق يغادر السيارة بعد فترة قصيرة ويتجه إلى مبنى قريب. انشغل بمراقبة المارة والسيارات. كيف يتمكن الناس من الحصول على سيارات كهذه؟ لا يحلم بامتلاك مثلها. حلمه الذى يتكرر كثيرا هو امتلاك حذاء. تارة يجد الحذاء فى كيس أسود وهو يعبث فى القمامة، وتاره تتوقف سيارة فارهة بجانبه وهو سائر فى الطريق ليلة العيد، تخرج منها يد القدر وتسلمه الحذاء فى صمت وتنطلق. نظر إلى أصابع قدميه المتسختين، قدمه المفلطحة التى تبدو وكأنها تحاول الهرب من أسر الشبشب الصغير. أغمض عينيه وتخيل كيف سيبدو فى الحذاء الرياضى الأبيض! كيف لن تؤلمه قدمه بعدها أبدا! كيف سيعدو كأنه الريح لا يسبقه أحد. كيف سيسدد الكرة بقوة ويحرز أهدافا! كيف سيصبح نجما تتخاطفه الأندية. أعجبته الفكرة فرفض أن يفتح عينيه حتى لا تهرب منه، تمدد على الأرض وعلى وجهه ابتسامة رضا، ونام.

استيقظ وقد أظلمت الدنيا. اختفت أغلب السيارات وشح الخلق. لاحظ أن السيارة الصفراء ما زالت متوقفه بجانب الطريق. لف حولها ببطء. مر بيده على جسدها المعدنى البارد. راودته فكرة فوضع يده المتسخة على زجاج السيارة وابتسم وهو يرى انطباعها الأسود. التفت ناحية المبنى الذى اختفى فيه صاحبها بحركة لا شعورية. قبل أن يستعيد بصره شاهد شخصا يخرج من باب المبنى. رأس صلعاء تلمع تحت نور عمود الإنارة. استعد للانطلاق هاربا قبل أن يأتى الرجل. فجأه ظهر من قلب الظلام ثلاثة أشباح انقضوا على صاحب السيارة، معركة خاطفة تبعها صوت ارتطام وصرخة مكتومة. انحنى أحد الأشباح على الجسد الملقى على الأرض للحظات قبل أن يفروا هاربين. نظر حوله فى قلق. الشارع خالٍ تماما. اقترب من الجسد الراقد. هو صاحب السيارة بصلعته وشاربه الكث. ضوء عمود الإنارة الأصفر الجنائزى أول المعزين. تسمرت عيناه على الحذاء. رياضى أبيض ناصع. نظر حوله مره أخرى. لا أحد. اقترب وبسرعة نزع الفردة اليمنى. وضع قدمه فيها. واسعة قليلا ولكن يا للإحساس الرائع. بسرعة نزع الفردة اليسرى وارتداها. أصبح عنده حذاء. وفجأة سمع صوتا ضعيفا يقول: «ساعدنى». جفل حتى كاد يسقط. الجسد الراقد ينظر إليه، والدماء تلون وجهه. مد يده إليه وكرر بضعف واستجداء: «ساعدنى». لم يعرف ماذا يفعل. لا بد أن له زوجة وأطفالا. من سيشترى لهم أحذية جديدة إذا مات؟ ومن سيضمن ألا ينضموا لجيش حاملى الخرق؟ من سيضمن ألا يزعق أحد فى وجههم: «امشى ياله».

تتسارع ضربات قلبه، يقترب من اليد الممتدة، ينتزع ساعته الذهبية ثم ينطلق هاربا.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المصدر:المصرى اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.