أيمن الجندى يكتب | حسام

أيمن الجندى يكتب | حسام

د.-أيمن-الجندى1

فى الروايات، خاصة تلك التى يقصها الراوى كلىّ المعرفة، الذى يعلم كل شىء عن مشاعر أبطاله، فإن الرواية تنتهى بأن يعلم القارئ الحقائق كاملة. مهما أخفى الكاتب بعضها متعمدا أثناء السرد من أجل التشويق. لذلك حين نغلق الرواية نشعر بالرضا! المشكلة أن هذه المعرفة الكلية لا تحدث على الإطلاق فى حياتنا الحقيقية. كثير من الأسرار تظل أسرارا وتُدفن إلى الأبد مع صاحبها!

لم يكن حسام يعلم أنه سيموت هذه الليلة عندما آوى إلى فراشه بعد منتصف الليل بقليل. حسام طبيب عازب فى الخامسة والأربعين من عمره. إنسان حساس رهيف المشاعر. طوى صفحة النساء فى حياته بعد تجربة حب فاشلة.

حسام كان يشعر طيلة المساء بصداع ناجم عن ارتفاع الضغط. لكنه لم يهتم. اعتاد منذ وقت طويل على عدم الاهتمام بنفسه. ومن أين له أن يعلم أن لديه ضعفا وراثيا فى أحد شرايين المخ، وأن الدم يضغط بعنف وإصرار. والنقطة الضعيفة فى الجدار الشريانى توشك أن تنهار تحت وطأة الضغط، ليتسرب الدم إلى المخ تحت ضغط شديد.

حدث ذلك فى نحو الخامسة فجرا. استيقظ على صداع قاتل ورغبة مُلحة فى القىء. نهض من فراشه متجها إلى الحمام، لكنه أُرغم على السقوط فى منتصف الغرفة، وراح يقىء.

عيناه مفتوحتان ووعيه يتسرب بالتدريج. وخبرة الطبيب أنبأته بالتشخيص بسهولة. نزيف حاد فى المخ، لا أحد معه فى الغرفة، لن ينتبه أحد إلا فى ظهيرة اليوم التالى. إذاً فهو الموت.

انزلق حسام فى الغيبوبة. يشبه الأمر سهلا منحدرا تهبطه بلا توقف. فى الوقت نفسه أحس بوجود لطيف يوشك أن ينفصل عنه. وجود شبحى يرى كل شىء ويستمع لكل شىء. لكنه لا يستطيع أن يتكلم أو يمسك بالموجودات! ولسبب ما ظل الطيف قابعا عند الجسد المسجى والعينين المغمضتين والأنفاس العالية التى تحولت إلى شخير. ومضى الوقت، وبالفعل لم يدلف أحد إلى غرفته قبل صلاة الظهر، حيث وجدوه فى غيبوبة ملقى على الأرض وبجواره آثار القىء، فنقلوه إلى العناية المركزة.

جلس يتأمل الأنبوب الذى مرروه إلى جوف الجسد من أجل الطعام والشراب. والأنبوب الذى أدخلوه إلى القصبة الهوائية للتنفس الصناعى. ووجهه المضمد بعد جراحة فى المخ، وطابور الزائرين الذين لم يصدقوا ما حلّ به. كانت أصوات السيار ات تصل إليه فى الدور الخامس، تنبئه بأن الحياة ستستمر من بعده بلا تغيير.

اكتشف وجوده الطيفى عدة خصائص مدهشة فى الأيام السبعة التى قضاها الجسد المسجى فى غيبوبة، منها أنه يقطع المسافات فى لحظة، ويدخل البيوت ويستمع إلى ما يدور. منها أنه يخترق الزمن ويعود إلى الماضى، ويكتشف كل ما كان يجهله فى سنين عمره الماضية. وهكذا أنفق الأيام السبعة فى معرفة كل شىء. زار أصدقاء الطفولة التى انقطعت صلته بهم منذ عهد طويل. عرف لماذا فشلت قصة حبه الأولى بالتحديد! عرف من يحبه ومن يكرهه! من هو حزين حقا ومن هو غير مبالٍ ومن هو سعيد. عرف أسرار حرب أكتوبر ومقتل السادات. ظل يهيم فى الوجود الشبحى حتى استوفى المعرفة كاملة وأصبح يعرف كل شىء.

وقتها بعد اكتمال المعارف شعر برغبة حقيقية فى مغادرة هذا العالم نهائيا. وكان آخر ما فكّر فيه وقلبه يتوقف فى الجسد المسجى أن أحدا لن يعرف الحقيقة إلى الأبد.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المصدر:المصرى اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.