أيمن الجندى يكتب | حسن خضرة

أيمن الجندى يكتب | حسن خضرة

د.-أيمن-الجندى1

أريدك أن تعلم أنه لا يوجد خطأ فى عنوان المقال. إنه بالفعل «حسن خضرة»، وستعرف حالا لماذا يُنسب إلى أمه بدلاً من أبيه. فقط يهمنى أن تعلم أن كل كلمة فى المقال حدثت بالفعل للأسف الشديد.

البداية فى قرية منسية قرب بسيون. اسمها «خضرة»، لا تحمل نصيبا من اسمها. هى الرماد واليباس. عجوز، ضامرة الجسد، لم تلبس فى حياتها حذاءً قط. لذلك تبدو قدماها كحوافر الحفريات المنقرضة. طعامها المش والبصل والخبز اليابس، تمضغه بالحركة الميكانيكية الناشئة من تلاقى فكيها الخاليتين من الأسنان.

ابنها «حسن». أسمر الوجه، واسع العينين، ضعيف البنية، يلهث عند أقل مجهود. تقتحمه العين، ولا يعبأ به أحد، التصق به اسم «حسن خضرة» بدلا من اسم أبيه لهوانه على الناس. تنتشر على وجهه البقع الناشئة من سوء التغذية المزمن. واحد من ملايين الفقراء فى مصر. لم يتلق تعليما، ولا يعرف القراءة والكتابة، ويعمل فى التراحيل. يأتى المقاول فيأخذه مع أمثاله من البؤساء ليغيب عن القرية مدة شهر، يحمل معه زوادته من الخبز الجاف والبصل والمش. أما النعيم الذى يطلبه من أمه فهو «ثلاثة أيام عيش لين»، وهى بلهجتهم تعنى (القُرص) أو السميط.

لكن الجزء السرى فى حياة حسن، والذى سيفسر ما حدث بعد وفاته، هو الطيبة الكامنة فى قلبه. رجل بهذا البؤس، هل تتخيلون أنه حينما كانت تتجمع لديه بضعة قروش كان لا يبتاع بها طعاما لنفسه، وإنما يشترى بها «هريسة» ثم يجمع حوله أطفال الشوارع، ليوزعها عليهم. كرم لا يقدر عليه الملوك والسلاطين.

عاش (حسن خضرة) حياة خاملة، منسيا من الناس، ثم كانت وفاته – رحمة الله عليه – فى العراق. ذهب مع الذاهبين باحثا عن الرزق، عمل حارسا لمخزن، وهناك اقتحمها لصوص فشجوا رأسه بالحديد وقتلوه. عاد جثمانه إلى قريته البائسة بجوار بسيون. كان ذلك فى أوائل التسعينيات من القرن الماضى. عرفت خضرة الخبر، تجلت فى عينيها نظرة يائسة حزينة عمياء، لكنها فى الحقيقة لم تستغرب، ذلك أنها كانت تعرف حقيقة وضعها فى الحياة بوضوح: لقد جاءت، وجاء أمثالها، لتُضرب فى هذه الدنيا بالسياط، بعدها يُسمح لها أن تموت.

جاء جثمان حسن خضرة موضوعا فى تابوت خشبى. فلما فتحوه وجدوا صندوقا معدنيا محكم الغلق، فشلوا فى فتحه رغم المحاولات. وهكذا دفنوه بالصندوق، حارمين خضرة من إلقاء النظرة الأخيرة عليه.

مات حسن خضرة، وماتت بعده خضرة، كما عاش ومات ملايين من الأبرياء يتعذبون لغير سبب واضح بالنسبة إليهم، ربما لأنهم كانوا بسطاء أميين. أما أنا وأنت فنعرف جيدا أن المسؤولية الرئيسية عن بؤسهم تقع على الحكام الذين تعاقبوا على حكم مصر، ويتكالبون عليها اليوم، ولا يعبأون فى سبيل الحصول عليه بأن يحيلوا حياة الملايين إلى جحيم. مُتناسين أنهم سيموتون فى نهاية المطاف، وسيقفون أمام خالقهم ويُسألون.

وكانت نهاية القصة هكذا: حينما مات أبوه بعدها بسنوات طويلة، فتح أهل القرية المقبرة لدفنه. ثم خرجوا منها وهم يرتجفون. شرعوا يصفون الصندوق المعدنى الذى مازال بهيئته كأنما دُفن بالأمس، لم تأكله الأرض، ينز منه المسك، يفوح بعبير زكى! رائحة أجمل من كل الروائح التى يعرفونها، لم يستنشقوا مثيلها فى حياتهم.

سلام على «حسن خضرة» فى العالمين.

 

 

 

 

المصدر: المصرى اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.