أيمن الجندى يكتب | خرائط الزمن

أيمن الجندى يكتب | خرائط الزمن

د.-أيمن-الجندى1

فى البدء بدا الأمر مثل حلم جميل! أروع أحلام البشرية على وشك أن يتحقق. بل هى قد تحققت بالفعل! وجهك الذى تغزوه الأيام! وجهك الذى تهاجمه التجاعيد بلا هوادة! وجهك الذى ترتسم عليه خرائط الزمان واستولى عليه القراصنة. وجهك بطاقتك! هويتك! مأساتك! هل تذكر وجهك القديم الناعم؟ ملامحك البكر المتفتحة؟ جلدك المرهف كقلب عذراء تقع فى الحب لأول مرة! صورك القديمة وأنت شاب بعد، تصور أن يصبح فى مقدورك استعادته!

هكذا بدأت القصة. عالم الأمراض الجلدية العجوز الذى تلقى طردا مجهول المُرسل. فتحه فى فضول فوجد قنينة زرقاء مليئة بماء بللورى نقى. قنينة بلون السماء والبحر! ومع القنينة ورقة بحثية للقضاء على التجاعيد! بمجرد أن مر بعينيه على المكتوب فى الورقة حتى غزته القشعريرة. من كتب هذه الورقة البحثية يعرف ما يصنع جيدا. أعاد قراءتها مرات ومرات. مع تقدمنا فى العمر تقل قدرة الجسم على إنتاج الكولاجين. مما يفقد الأنسجة الضامة مرونتها، فيحدث الارتخاء، وتغزو التجاعيد البشرة.

فكرة البحث كانت فريدة ومبتكرة للقضاء على شيخوخة الجلد نهائيا. نظر إلى ماء القنينة البلورى وبطاقة صغيرة مكتوب عليها بخط أنيق: «لماذا لا تجرب؟». لم يملك المقاومة. احتسى الماء النقى ولم تمض بضعة أيام إلا وصارت بشرته كبشرة طفل وليد بدون تجعيدة واحدة.

لعدة أسابيع قادمة امتنع عن الظهور أمام الناس. وفى كل الأحوال لم يكن ليعرفه أحد. المهم أن يثبت نتائج البحث بنفسه. كانت النتائج لا يرقى إليها شك، وظل يفكر فى العبقرى المجهول الذى توصل إلى هذا الاكتشاف الذى يكفل لصاحبه المليارات! ولماذا ارتضى أن يحجب اسمه!

كان ناضجا بما يكفى لأن يعرف أن نتائج الاكتشاف بعيدة المدى. لكن غواية العلم كانت أقوى من حذره. هكذا عقد مؤتمرا عالميا أعلن فيه النبأ المدوى. شرح الظروف التى وصل فيها إليه هذا البحث الغامض. وكان وجهه دليلا لا يدحض على نجاح المستحضر. هو ببساطة يحمل وجه شاب فى العشرين من عمره.

وسط الذهول الذى أحاط بالمؤتمر، والضجة الهائلة التى أعقبته، ظل العالم العجوز صاحب الوجه الشاب ينبه إلى أمرين: هذا ليس نبع الشباب السحرى! إنه يؤخر شيخوخة الجلد فقط، لكن باقى الأعضاء سوف تعانى شيخوختها. والأمر الثانى هو وجوب مناقشة النتائج الأخلاقية المتوقعة قبل تعميم الاستخدام.

لم يحدث ذلك بالطبع. كانت غواية العودة إلى الشباب أكبر من أن تُقاوم. وتبين أن الأمر لم يقتصر على النساء فقط. وبدأ جنون استعادة الوجوه القديمة. أصبح ابن الستين يحمل وجه ابن العشرين، وكأنما عثروا على نبع الشباب الدائم.

كان مصير العالم يتغير! احتاجت البشرية عدة أجيال حتى فطنت إلى الأثر السلبى لهذا الاختراع السحرى! أن تموت وأنت تحمل وجه صبى! ألّا يعود بوسعك أن تفرق بين الأم وابنتها! ألْا يكلم الابن أباه باحترام! ألّا توجد خرائط الزمان التى ترسم تخوم الحدود بين الأجيال المتعاقبة!

الآن يعرفون صاحب هذا الاختراع المجهول! إنه الشيطان نفسه. وهكذا امتنع الناس من تلقاء أنفسهم عن تناول هذا المشروب السحرى. وحين ظهرت التجاعيد على وجوه الناس فرحوا بها كبزوغ زهرة. عاد الناس يميزون بين الأب وابنه والأم وابنتها. وعادت خرائط الزمان ترسم التفاصيل بكل وضوح، وتحدد لكل وجه ما يجب أن يكونه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.