أيمن الجندى يكتب | درب «الندّام»

أيمن الجندى يكتب | درب «الندّام»

د.-أيمن-الجندى1

يفطن كم هو محظوظ بهذا البيت إلا بعد أن كبر ونضج. فى قلب المدينة المزدحمة التى ضاقت على البشر، وضاق بها البشر، وسط السيارات المحتشدة والحافلات التى تنفث العوادم، والشوارع التى لا تفرغ من المارة. بين الدروب المحتشدة والبيوت العالية والطرق الضيقة، يطل منزله من الجانب الخلفى على درب هادئ يحتشد بالحدائق ولا يكاد يسير فيه مخلوق، بل يبدو من فرط عزلته وسكونه وكأنما لا يعرف بوجوده أحد. هو المحظوظ الذى تطل شرفته على «درب الندّام»، كما سمع والده يدعوه طيلة عمره. فى طفولته تقبل وجود هذا الدرب كحقيقة لا تثير الاستغراب. لم يفكر فى غرابة وجود طريق فى المدينة المزدحمة لا تمر به السيارات ولا يسير فيه أحد. إنه موجود فحسب ويسمح له والده باللهو فيه حتى يحل الظلام. بعدها يصير من المستحيل أن يمكث فيه ثانية واحدة. وحتى بعد أن كبر لم يجرؤ على مجرد المشى فيه بعد غروب الشمس. وإنما يذهب عبر الطريق الآخر المزدحم كسائر دروب المدينة.

فى كل مساء حين يجن الليل يتحول «درب النّدام» إلى قطعة من الظلام المُطبق. وعندما تتعانق عقارب الساعة معلنة دخول منتصف الليل، كان يشاهد خلف الزجاج الموصد المٌضبب بأنفاسه بعض الهائمين فى الدرب الموحش. يرتدون ملابس بيضاء. يبدون وكأنهم ينسابون على الدرب كقطرات المطر حين تنزلق على زجاج النافذة. وكان يفتحون أفواههم وكأنما يصرخون ولكن بلا صوت! ويرمقون السماء وكأنهم يُشهدونها على شىء ما. ثم يبتلعهم الظلام عند آخر الدرب.

لغز آخر يُضاف إلى ألغاز الكون التى لا يدرى لها تفسيرا. لكنه سره الخاص الذى لم يصارح به أحدا. كان يتيم الأم منذ طفولته ولذلك افتقد المؤانسة. وراوده هاجس بأن والده لن يحب سماع هذا الأمر. لذلك ظل يكتم سر الهائمين فى الدرب الذين يراهم كل ليلة.

ومرت الأيام ومات والده وورث هو البيت. وظل الساكن الوحيد فيه المطل على «درب الندّام». وقتها استوقفته غرابة الاسم. من هذا «الندام» الذى أعطى الدرب اسمه؟ ولماذا لم يتوقف سيل الهائمين كل ليلة؟ ولماذا لا يمتد العمران إلى هذا الدرب أبدا؟ هذا من حسن حظه طبعا، وهو سعيد بذلك، ولكن لماذا؟ ولماذا كلما حاول أن يستفهم من رفاقه لم يبد أحدهم كأنه يعرف بوجود هذا الدرب أصلا.

وعادت الأيام تمر وكبر الشاب حتى صار كهلا. انقضت أيامه ولياليه دون أثر يبقى. أحيانا كان يتعجب من مرور هذه الأعوام دون انقطاع. لو سألته ماذا فعل فيها لا يدرى! يستيقظ وينام ثم يستيقظ وينام، وبين الاستيقاظ والنوم يفعل أشياء تافهة، بعضها لكسب المعاش وبعضها لإنفاق الوقت. كان العمر هو أرخص ما لديه وظل ينفقه فى سفه لا يبالى مرت الأعوام أو لم تمر!

وبغتة جاءه الموت كظلام نهائى. كحكم باتٍ بلا استشكال ولا استئناف ولا تسويف ولا نقض. لحظة احتضاره لم تزد على الدقيقة ولكنها كانت أطول من حياته كلها. وفقد الوعى ثم وجد نفسه هناك. فى درب «الندّام» الذى فهم الآن مغزى اسمه. يهيم فى الظلام، يرتدى ثيابا بيضاء، يسيل كقطرة ماء. يصرخ بلا صوت نادما على العمر الذى ضاع. ناظرا إلى السماء وكأنه يُشهدها!

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المصدر:المصرى اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.