أيمن الجندى يكتب | زهرة الطين

أيمن الجندى يكتب | زهرة الطين

د.-أيمن-الجندى1

إذاً فهو الحب! لو كان يعلم ما هو آتٍ لما ذهب إلى عيادته فى هذا الجو الماطر. ولكنه حين سمع صوتا فى صالة العيادة أدرك أن أحدًا لا يأتى فى هذا الجو العاصف إلا لعلةٍ حقيقية.

ودخلت وكأنها الشمس والقمر. كانت تمسك جنبها وتتوجع. وخلفها رجل مريب السمت يرمقها فى سخط غير مبال بها.

ونظر يستكشفها. حدقتا عينيها زرقاء شفافة كأنها لجة بحر. وأدرك من ثيابها الرخيصة أنها تنتمى إلى طبقة اجتماعية متدنية. فكيف خرجت منها هذه الأعجوبة كما تُولد من الطين زهرة نادرة.

وأصيب بصدمة حين شاهد أثناء الفحص كدمة حديثة على جسدها المرمرى. وشاهد دمعة تطفو فى الحدقة الزرقاء فأدرك أنه يضربها.

كان يكتب الوصفة الطبية وعقله يعمل بسرعة جنونية. لولا الرجل لتباسط معها فى الحديث ولعرف عنها كل شيء. لكنه لم يملك إلا أن يؤكد على ضرورة عودتها فى اليوم التالى. وشرع يرنو إلى اللجة الزرقاء فى توسل، آملا أن تلتقط الرسالة!

ومرت الأيام دون أن تعود. وشرع يساءل نفسه ملتاعا: «أمن المعقول أن رجلا ناضجا مثله يهوى امرأة من أول نظرة؟». لكنه كان يعرف الحقيقة. إنها تلك التى انتظرها عمره بأكمله. وقد رمقته باكية ومستنجدة. ولكن هل يستطيع أن يواجه هذا الوغد؟ وحياته مخملية بعيدة كل البعد عن العنف.

وفجأة، بعد أن يأس من عودتها وجدها أمامه. وكأنها الربيع الملون مُختصرا فى باقة زهر! وراح يسألها فى لهفة وهى ضائعة تماما! وأخبرته أنه زوج أمها الذى استولى على مقاليد البيت. وحاول أن يجبرها على بيع شرفها. وانهمر البحر المختزن فى عينيها. فأحس أنه قادر على مواجهة العالم!

استقبله البلطجى بعداء واضح على مقهى مشبوه. لم يكن خافيا عليه التعقيدات القادمة على حياته الهادئة المطمئنة. وبفرض التوصل إلى اتفاق فهل سيستطيع أن ينتزعها من الطين ويزرعها فى قارورة أنيقة. وهل تنمو الزهور فى القوارير؟ كلها تعقيدات كان يعرفها مقدما لكن حياته صارت متوقفة عليها.

اختلج وجهه بمقت حين حدثه عن إعجابه بها. وتسلل الخوف إلى قلبه حين ظل ينظر إليه صامتا. قال بلهجة مقيتة: «مهرها نصف مليون جنيه. بعدها تزوجها أو ضاجعها».

وأذهلته فداحة المبلغ. وغضبت هى ثائرة حين عرفت بالخبر. وتخلى عنها ضعفها المزمن وقالت بحسم: «إياك أن تعطى هذا الوغد مليما واحدا».

فكر فى عشرات الأشياء لكنه لم يفكر أن يتركها. فكر أن يتزوجها ويضعه أمام الأمر الواقع. أو يستعين بالشرطة! أو يستأجر بلطجية يقومون بتأديبه. أو يسافر معها خارج البلاد لفترة! لكنه كان يعرف أنه سيصل إليهما يوما ما، وحينئذ لا يأمن العاقبة.

وفى صمت بدأ يجمع المال بصعوبة. وذابت بين يديه وهى تبكى. وشاهد فى عينيها الوعود الملونة. ولم يخامره شك أنها تحبه. فأحس أنه يتعملق ويعتلى العالم. واكتمل المال فتناوله البلطجى فى احتقار، وقال له بلهجة بذيئة: «هل تستحق امرأة مثل هذا المبلغ الجسيم يا مغفل!».

وبصق على الأرض قائلا: «خذها».

غادر المقهى المشبوه غير مصدق بالنجاة. حاول الاتصال بها فلم ترد. انتظر مجيئها دون جدوى. عاد إلى القهوة المشبوهة فلم يجد البلطجى. وحين بدأت القهوة تغلق أبوابها غامر بسؤال النادل، الذى نظر إليه كمن يسمع دعابة رائعة، ثم قال: «لقد نصبوا عليك يا أحمق. إنها زوجته!».

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المصدر:المصرى اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.