أيمن الجندى يكتب | ساعات أحب عمرى وأعشق الحاجات

أيمن الجندى يكتب | ساعات أحب عمرى وأعشق الحاجات

د.-أيمن-الجندى1

أحياناً تستيقظ وأنت تشعر بالبهجة دون سبب واضح لديك. نمت بالأمس وكل شىء على حاله كما تركته. انتبهت قبل أن يرن المنبه دون أن تشعر بالتعب. غادرت السرير فى خفة ابن العاشرة. وبشكل ما تشعر أنك بدأت الآن، وُلدت الآن، خُلقت الآن. هذا ليس غريبا فكل الكائنات تشعر بهذا فى الصباح. الشمس تشرق كل يوم كأنها تشرق لأول مرة، تولد مثل شمس صغيرة خجولة، لم تتعلم منح الدفء بعد. تتدحرج على صفحة الأفق كطفل يجرب المشى. وتشع الضوء فى نعومة ورفق. لا تنتمى لتلك الشمس العجوز التى غربت بالأمس، صفراء أسقمها الملل، حمراء أنهكها الصراع، كبيرة أتعبها الحزن، تسقط من الإعياء خلف الأفق لتنام. مثلما تفعل أنت. ثم تستيقظ وكلها فرحة وإقبال على الحياة.

كل الكائنات تشعر بالبهجة فى الصباح، العصافير تزقزق فى نشوة، وتطير فى خفة، هناك الكثير من حقول الأرز، واللهو والمرح، والغزل الرائق والمحبة. والقطة تتمطى فى كسل، تموء فى تثاؤب، تفتح عينيها الخضراء، فتشاهد الفراشة السابحة فى أثير الضوء، محلقة فوق الزهور، ثابتة فى مكانها، بمغناطيس خفى، تمد يدها الصغيرة، كأنها تصافحها ثم تنهض وتشارك الكائنات البهجة.

ما الذى يحدث فى مملكة النوم، هناك حيث لا يعرف أحد، فى الوضع المسطح، الجسد يعلن تعبه، والمخ يسدل ستاره، والقلب يبطئ قليلا، والتنفس يهدأ رويدا. تتسلل الروح صوب آفاق مجهولة، حيث تنتظرها كائنات لا نعرفها، تقوم بأعمال الصيانة، تملأ الناقص من البهجة، تبدد الباقى من الوحشة، تبدل الأجزاء التالفة، تربط مسامير الفرح، تزيل أكدار الملابسة، تمسح زجاج الروح، تغسلك بخراطيم الدهشة. تعود لامعاً منتعشاً راضياً عن الحياة، كطفل ألبسته أمه الثياب النظيفة بعد حمام دافئ.

وربما اتصلت روحك بالماضى، وملأت جيبك بالذكريات المفرحة. رأيت حلماً لم تعد تذكره، فأصابك بالفرح، وجه أمك، أول بنت أحببتها، شطر بيت شعر كتبته ولم تستطع إكماله، بالونة تركت طرف خيطها فطارت منك، الكرة البلاستيكية الحمراء التى ذهبت، سرورك الخفى حين قابلت حبيبتك، فرحك المعلن وأنت ذاهب للسينما، طعم غزل البنات فى فمك، نشوة النصر حين اتزنت الدراجة تحت يدك، وخضعت لساقيك الملتفتين حولها فى إصرار.

المهم ما الذى تنوى أن تصنعه بالفرحة؟ اذهب إلى سوق السعادة لتعرض بضاعتك، وانقل سرورك لمن حولك، ثمة قانون من قوانين الفيزياء لم يكتبه أحد، الشفرة الخفية التى تتبادلها الكائنات، حية وميتة. فى الحقيقة لا شىء ميت، عالم من الحركة، إلكترونات تدور فى سرعة هائلة، وتنتقل عبر المدارات، وشحنات تتعدل مقاديرها باستمرار، كون بأكمله من الجسيمات الدقيقة، وأسرار لا نعرف عنها شيئا.

كل شىء يتفاعل بالسرور والحزن، والتعب والنشاط. جسدك يخاطب الكرسى، ينقل له مقدار الفرح، فيتفاعل معه بالبهجة، ويتلقى جسدك فى ترحيب، لا تفطن أنت للمخاطبة، وتقول لنفسك فى دهشة: المقعد وثير اليوم وظهرى لم يعد يؤلمنى.

تذهب وتمضى، وروحك تنقل رسالتك لكل من حولك، يصبح اليوم أجمل والغد أجمل والحياة كلها أجمل.

 

 

 

 

 

المصدر:المصرى اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.