أيمن الجندى يكتب | شبح فى المنزل

أيمن الجندى يكتب | شبح فى المنزل

د.-أيمن-الجندى1

البيت غارق فى الظلام. وكأنما الفجر ليس على الأبواب. يشعر باقترابه بإحساسه المرهف، بساعته الداخلية. الحلكة حينما تشتد، النجوم عندما تغور. الهواء حينما يتدفق من نافذة المطبخ التى كانت تحرص على تركها مفتوحة. شىء ما يخبره أن موعد استيقاظها المعتاد قد حان. حينئذ يحبس أنفاسه. يرهف سمعه. يتوسل إلى قلبه ألا يدق بقوة. يزحزح الحدود الفاصلة بين العالمين. تلك الحدود التى يظن الجميع أنها صلدة.. محكمة.. نهائية.. ويؤمن هو أنها حدود مرنة، قابلة للامتداد والانكماش. وعن قريب سوف تتحرك فى فراشها، حركة قليلة لا تكاد تُذكر. وتختلج عضلة فى وجهها، اختلاجة طفيفة توشك ألا تُرى. لكنه يراها رغم الحدود الفاصلة. يتوسل إلى الجدران الصلدة أن ترق وتمتثل. يتذلل إلى الكون أن يسمح له، على سبيل الاستثناء، أن يلمسها، أن يكون موجودا بجوارها حين تستيقظ، حتى لو كانت لا تراه.

آخر ما يذكر عنها حينما استيقظ على أنفاسها المتهدجة. استيقظ والرعب يزلزل أركانه. نظر إليها بعينيه الجاحظتين متوسلا إليها ألا تذهب. ورمقته بنظرة هادئة خفيضة تحمل كل معانى التسليم. نهض من فراشه فجأة باحثا عن نجدة يعلم أنها غير موجودة. ثم كان ما كان.

فاطمة! فطومتي! طماطم، وكم اخترع لها من أسماء تدليل فى الزمان الغابر، المدهش أنه لم يكن يحبها فى بداية الزواج. العجيب أنه فكر فى خطوبته مرارا، ولولا نصيحة والده بالتريث لما جنى كل هذا الشهد! متى أدرك أنه يحبها بجنون؟ متى انفجر فى قلبه الحب العظيم؟ حينما أدرك أنها لن تنجب، وأصبح عليه أن يتخذ قرار طلاقها أو الزواج من غيرها، وقتها فقط أدرك أنه يحبها كما لم يحب من قبل، وحين شاهدها تبكى فى انكسارها هتف بلوعة: «بل أفديك بحياتى».

متى كانت هذه الدراما؟ منذ خمسين عاما بالتمام والكمال، وما خطر له وقتها أنه سيفقدها؟ أو سيتجول فى الليل الهادئ باحثا عن عطرها، متواجدا فى الأماكن نفسها التى كانت توجد فيها، فى اللحظة نفسها، محاولا الإمساك بها أو بذكراها. حينما كانت تقف بجوار شباك المطبخ الشرقى، المفتوح على السماء الشاحبة، لتشاهد تحولات الشروق. لا تدرى أنه هنا، واقف خلفها، يستحلف الحدود الفاصلة بينهما، والتى لا يمكن عبورها، أن تتداخل من أجله ولو للحظة واحدة، يمسك بأصابعها اللينة التى لم تزل تحمل دفء النوم. أو يقبلها من حيث لا تدرى على وجنتيها المغضنتين. طمطم. طمطوم. فافى. فطة. بطة. قطة. فطوم. ومع كل قبلة يطبعها على كل قطعة من وجهها، يبتكر أسماء جديدة، وليتها تسمعه! بل تعد قهوتها وتمكث هادئة تتطلع إلى ملحمة الشروق.

من أجل هذه اللحظات المقتطعة من قلب الماضى يحتمل الفراق. يقضى معظم الليل جوالا فى غرفات البيت الصامتة. حتى تحين اللحظة الموعودة. حين تستيقظ فطومة. ولعلها لا تدرى أنه بجانبها، مثلما لم تتخيل من قبل أنه حين ذهب لإحضار النجدة ولم يعد، حينما افتقدته بعد زمن طال وامتد فوق الزمان البشرى، وتحاملت على الجدران تستطلع الأمر، وجدته راقدا فى هدوء سرمدى، عيناه مفتوحتان مثبتتان على السقف، ومن فمه تتصاعد الرغاوى التى انسالت على جانبى شفتيه، لحظتها أدركت أنه قد مات.

استيقظت ست فاطمة. مشت بخطوات تثقلها الشيخوخة. مضت تعد قهوتها وهى تشاهد الشروق من النافذة المفتوحة وتقرأ الفاتحة لزوجها المرحوم.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المصدر:المصرى اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.