أيمن الجندى يكتب | شروق

أيمن الجندى يكتب | شروق

د.-أيمن-الجندى1

كانت شجرة الأَرْز تهتز فى رقة ودلال. وكانت صفحة السماء سوداء عميقة. انطفأ وميض النجوم وغاب القمر، ولم يعد ممكنا أن تميز بين صفحة السماء المعتمة والسحاب الأسود المتناثر الذى تسوقه الرياح على مقربة من البحر، والموجود حتما وإن كنا لا نراه.

فرغنا من صلاة الفجر، وبدأنا نغادر الساحة الواسعة التى يكتسحها هواء البحر القادم عن قريب. كانت السماء ما زالت عميقة السواد، ولم يكن هناك ما يشير إلى الشروق القادم. لحظتها بالضبط ارتفعت ترنيمة بلبل تخدش السكون.

كانت الترنيمة قصيرة ومختصرة وكأنها نغمة (صولو) منفردة. ابتهجت قلوبنا لسماع البلبل. وعرفنا أن الظلام الجاثم يشتمل على النور القادم، وأن نواميس الكون على ما يرام.

وتجاوبت البلابل فى الأنحاء. بغناء قصير مختصر يجرب نفسه ويتمادى بالتدريج. ثم ساد الصمت وكأنما البلابل تدخر قواها للأنشودة القادمة. لم تكن العصافير قد استيقظت بعد. وبرغم السواد العميق فى صفحة السماء فقد بدأ نور يخالطه. حدود السحب راحت تتضح بأشكال عشوائية تشبه رسومات الأطفال.

كان شىء جليل يوشك أن يحدث، ويستغرق الكون بأكمله. الكوكب الأرضى المستدير ككرة، المدحو كبيضة، المائل على محوره، يدور بقوة العشق حول أمه الشمس التى انفصل عنها منذ بلايين السنين. لكن اتحاد الأصل جعله لا يطيق فراق الشمس، كفصيل يتبع أمه، يلتصق بها إن حضرت، وينوح إن غابت. وفى حضرة العشق قوانين صارمة، بها يسعى المحب إلى المحبوب. لم تنتظر الأرض قدوم الشمس، وإنما راحت تدور سعيا إليها، لتواجه المحبوب.

كان النور ينبث فى الظلام بدرجة خافتة تتزايد بالتدريج. راح الظلام ينقشع رويدا لتخالط الفضة النقية جبال السواد الهائل، كمنجم من ضوء ثمين.

وحانت اللحظة الفاصلة. واجهت الأرض الشمس وتلاقى المحب بالمحبوب. وبدأ ظهور اللون الأحمر متخللا اللون الرمادى، كبقع من دماء عاشق مسكوب. وظهرت مساحات من اللون الأزرق تنسكب بالتدريج.

كانت البلابل تراقب ما يحدث بنشوة فنان أسكره الجمال. وعلى خلفية من غناء بديع يناسب الميلاد الكونى، لشروق يحدث كل مرة، وكأنه يحدث أول مرة! أول شروق على الأرض. كان غناء البلابل فرديا وجماعيا. كل بلبل يعتصر فؤاده ويعبر عن مكنون عشقه، متفردا فى غنائه، دون أن يخل بالغناء الجماعى الذى تصاعد سلمه، درجة بعد درجة، مع الشروق الجليل.

وبدأت العصافير تشقشق للضوء. وفجأة ارتفع دعاء الكروان شجيا نديا، قادما من بعيد، وكأنه، ابن الليل، لم يستطع أن يملك نفسه، ويريد أن يشارك البلابل احتفالها بالشروق.

كان النور يؤكد وجوده على صفحة السماء. وتلاشى اللون الأحمر أو كاد. ولم تبق إلا درجة خافتة من اللون البرتقالى سرعان ما تلاشت هى الأخرى. واختفى اللون الرمادى وساد الأزرق السماوى وتحددت ملامح السحب البيضاء. وبزغت الشمس بلهيبها الأبيض ونورها الغازى، وأصبح النهار مثل أى نهار.

صارت السماء الآن بيضاء من غير لون. ولم أملك نفسى إلا أن أفكر أن الألوان الجليلة والجمال الباهر، الذى يحدث فى الشروق والغروب، يرتبط فقط بمخاض الانتقال. إذا كنت تؤثر الحياة الخاملة، الخالية من عذاب الانتقال، فإنك لن تحصل إلا على الألوان العادية. أما الجمال العظيم فلا بد له من مخاض عظيم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.