أيمن الجندى يكتب | شيماء

أيمن الجندى يكتب | شيماء

د.-أيمن-الجندى1

خرجت شيماء من العيادة وهى لا ترى أمامها. لم تنتظر قدوم المصعد. وبمعجزة لم تتعثر أثناء هبوطها على الدرج. كانت الدموع تنهمر من عينيها وتغرق وجهها. وبرغم أنها ابتعدت عن موطن الخطر فقد ظلت تمشى بسرعة. للدقة كانت تركض. وكأنها تريد أن تبتعد إلى أبعد نقطة. في الحق تريد أن تغادر الوطن الذي يحتقر أنوثتها ويمتهن إنسانيتها. وليتها تنتهى من الحياة كلها، وبأقصى سرعة. ما زالت حتى الآن لا تصدق ما جرى. جلوسها بين المرضى في أدب تنتظر دخولها للطبيب تعرض عليه عقاقير شركة الأدوية التي تعمل مندوبة لها. أثناء انتظارها راحت تفكر في قائمة الأطباء الذين ينبغى أن تمر عليهم. هناك نسبة معينة من المبيعات لا بد أن تحققها وإلا لم يكن عملها مرضيا. تحاول أن تشغل نفسها بالعمل بدلا من المكوث في البيت وانتظار الزواج. حسنٌ أن تعمل وتخرج إلى النور كل صباح. حسن أن تحصل على مصروفها الخاص حتى لو كان الراتب زهيدا.

أشارت لها سكرتيرة الطبيب في برود كى تدخل. اعتادت منذ وقت بعيد على المعاملة السيئة. المرضى يرمقونها هم الآخرون في كراهية! ولكن ماذا تفعل؟ هذه هي الوظيفة الوحيدة المتاحة أمامها.

جلست في مواجهة الطبيب بابتسامة مهنية. وشرعت تحدثه في أدب مبالغ به عن مزايا الدواء. وظيفتها أن تقنعه أنه أفضل شىء في العالم. وأنه سيظلم المرضى ظلما بينا إن لم يكتبه في وصفاته الطبية. طبعا كلاهما يعلم أن هذا هراء، ولو كان المطلوب منها أن تؤدى الدعاية للدواء المنافس لتحدثت عنه بنفس الحماسة. على أن الطبيب كان يبدو عليه الشرود وكأنه لا يصغى إليها. وأدهشها أنها رأت عينيه تستقران على صدرها بطريقة لزجة لا يمكن أن تكون غير مقصودة. لكنها سرعان ما كذبت نفسها. الطبيب يناهز الأربعين وصاحب عيادة مشهورة. تابعت الحديث عن الدواء ولكنه قاطعها: «هل تعلمين أننى أهتم بعمليات التجميل ولى فيها دراسات عليا؟». شدها الحديث بفطرة أنثى ونسيت لوهلة هواجسها السابقة. استطرد قائلا: «هناك نسب معينة مثالية». ثم قطب كأنه فوجئ بشىء: «على فكرة أنت فيك حاجة مش مضبوطة. تعالى أوريهالك؟».

واقترب منها متظاهرا أنه سيفحصها. لكن يده احتكت بها بشكل بدا عفويا. بدأت تتوتر. همت بالقيام لكنه كان يحاصرها. قال وهو يتناول حقنة: «هذه حقنة بسيطة لكى ترتخى ملامحك». نظرت إلى يده الممدودة في ذهول وسرعان ما أدركت أنه جاد. قال وهو يرتجف: «ما تخافيش. دى حقنة مخدرة. غمضى عينيك».

أحست أنها في كابوس مخيف. هذا المجنون يريد أن يخدرنى. صرختْ. أرتبك الطبيب قائلا: «اخفضى صوتك. ستفضحيننا». انتفضتْ وهى تقول في ذهول: «أفضحك؟». وانتفضت نحو الباب ولكنه سبقها وأغلق باب العيادة بالمفتاح.

وفجأت امتدت يده إلى يدها لتمسك بها. شاهدت شيماء بكل وضوح خاتم الزواج الذهبى. وشاهدت أيضا جانب فمه الملتوى وقد شوهت الرغبة ملامحه. استندت إلى الباب وقد أوشكت أن يُغشى عليها. لكنها تماسكت. وصرخت بصوت مرتفع. ازداد ارتباكه. فتح الباب بسرعة لتنطلق دون أن تنظر وراءها تسبقها دموعها.

وكان أسوأ ما في الأمر بالنسبة لشيماء أنها لن تستطيع أن تشكوه. وكان أسوأ ما في الأمر بالنسبة لنا أن القصة حقيقية.

 

 

 

 

 

 

 

 

المصدر:المصرى اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.