أيمن الجندى يكتب | صلاح دياب

أيمن الجندى يكتب | صلاح دياب

د.-أيمن-الجندى1

«صلاح دياب» الذى استمعت إلى حواره مع الإعلامى «أسامة كمال» هو نفسه «صلاح دياب» الذى أعرفه وتشرفت معه مرارا بالحديث الودود. يشع صدقاً ووهجاً وإخلاصاً.

اليوم أكتب عن «الإنسان» فيه، عن الجانب السرى الذى لا يعلمه الكثيرون. لقد آمنت دائما بأن السيرة الذاتية لأى إنسان تستحق أن يُحتفى بها. لأن التجربة الإنسانية هى أثمن ما لدينا. فما بالكم برجل مثله؟

دعونى أَحْكِ لكم عن «صلاح دياب» الذى لا تعرفونه. التغيرات النفسية الخفية، والنَفَس الصوفى الذى راح يكتسبه بالتدريج بعد أن حقق نجاحاته. تفسير ذلك ليس مُستغربا. بل هو مألوف فى النفوس الكبيرة التى تهدف إلى عظائم الأمور! هل تعرف أنه حين كان مهندسا شابا عصاميا قد سعى فى التعاقد لتطهير مجرى قناة السويس حين أعلن السادات نيته استئناف الملاحة بعد حرب 73. أتى بالشركة الأمريكية التى أنجزت العملية فى اللحظة الأخيرة وبأقل الأسعار. كان نصيبه المفترض من الصفقة 600 ألف دولار بالتمام والكمال.

كانت العلاقات الدبلوماسية مقطوعة مع الولايات المتحدة. لذلك انتهزت أمريكا الفرصة لرأب صدع العلاقات مع مصر وتبرعت بتكاليف المشروع بدلا من هيئة قناة السويس. تم ذلك فى أول لقاء لكيسنجر مع إسماعيل فهمى، وزير الخارجية حينذاك. وهكذا تبخر نصيبه من الصفقة كلها، ولكن المقابل أن عادت العلاقات الدبلوماسية مع أمريكا.

ولكن تخيل معى، شاب فى مقتبل العمر لا يملك إلا قميصه وأحلامه. ولكن ما يملك من الطموح يجعله يستشرف لهذا الأمر الخطير الذى تضطلع به دول وتقوم به شركات عظمى.

هذا هو مفتاح شخصيته والمُفسر لكل أحواله فيما بعد. ولله در المتنبى حين قال فى أمثاله: «إذا غامرت فى شرف مروم.. فلا تقنع بما دون النجوم».

وهكذا اتبع صلاح دياب نصيحة المتنبى، وطاوعته الدنيا فحقق نجاحه فى مجال الأعمال، خصوصا مجالى البترول والزراعة. بعدها استجاب لدواعى الحنين فى إنشاء صحافة يحقق بها حلم جده. ولكن ماذا بعد ذلك؟ ماذا تفعل النفس التواقة حين تدين لها الدنيا؟ يقولون إن عمر بن عبدالعزيز كان أوسم شباب المدينة وأطيبهم عطرا وأرقهم ثيابا. وكان يتبختر حتى عُرفت مشيته بـ«المشية العُمرية». ثم فجأة انقلبت أحواله بعد الخلافة إلى ما نعرف من الزهد والتقشف. يقول فى تفسير ذلك إن نفسه كانت «تواقة». تتوق دائما للمعالى. وحين أصبح الخليفة لم يعد فى الدنيا شىء يطمح إليه، فخلع الحرير، وارتدى خشن الثياب، وعرف الجوع النبيل الذى يقربه من قلوب المساكين والحزانى.

لا أقصد بالطبع أى مقارنة بين «عمر بن عبدالعزيز» و«صلاح دياب»، ولكن أفسر روعة التحول الذى يمر به من حقق نجاحه الدنيوى. اكتشف حقيقةَ ما كان أجدرنا جميعا أن نعيها. إن كل شركاته هى فى الحقيقة ليست ملكه. لسبب بسيط أنه حين يذهب للقاء الله لن يحملها معه. هو فى الحقيقة لا يملك إلا «حق الانتفاع» بالنعمة. كائنة ما كانت هذه النعمة: شركاته، مصانعه، أمواله، حتى زوجته وأولاده. هو ليس مالك الحديقة. مالكها هو الله جل جلاله. وإنما «خولى الحديقة».

وهكذا بدأ تحرره من الدنيا. لأول مرة يتحرر من الركض اللاهث. لأول مرة يتحرر من القلق الدنيوى. ويرى الأمور على حقيقتها. يستمتع بالنعم التى يعدها الناس بسيطة ويراها هو جليلة. نعمة الود لأصدقاء العمر، حبه لأسرته، وجبة عشاء بسيطة تطيبها العافية، حتى نظرته إلى اللوحة المعلقة فى منزله لم تعد نظرة المالك المستزيد الفخور، بل نظرة المتأمل المتعجب من الجمال الإلهى الذى خلق هذا الإبداع البشرى.

هذا هو الجانب السرى فى حياته. أعظ به نفسى قبل أن أعظكم. أقول لنفسى: «كفاك ركضاً وراء الدنيا! الأمر لا يستحق كل هذا الضجيج، والباقيات الصالحات خير عند ربك ثواباً وخير مرداً».

 

المصدر:المصرى اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.