أيمن الجندى يكتب | صيد البلابل

أيمن الجندى يكتب | صيد البلابل

د.-أيمن-الجندى1

استوطن الشر حارتنا منذ عهد بعيد. الدعارة والقوادة والمخدرات، والقتل أحيانا والسرقة دائما. قبل أن يُولد أجداد الأجداد وحارتنا باض فيها الشيطان. في البدء كنا حارة فيها مزيج الخير والشر مثل سائر الحارات. يكابد أهلها العيش من أجل الرزق. يعملون مكارية وباعة خضار وتجار حبوب. وحين تغرب الشمس يعودون متعبين إلى دورهم المسكونة بالفقر والاحتياج. حتى جاء واحد من خارج الحارة وافتتح خمارة. ومع الراح والأقداح عرفنا الغوانى. وكشىء لزوم الشىء كان لا بد من فتوات. دائرة محكمة من الشرور، جاءت الواحدة تلو الأخرى. حتى أصبحت حارتنا وكرا بمعنى الكلمة، وأصبح معنى أن تولد في حارتنا أن تصبح راقصة أو قوادا أو بلطجيا أو تاجر مخدرات.

كنا راضين قانعين بأحوالنا. ولم نكن نفكر في تغييره. حتى الشرطة كانت تهاب دخول حارتنا وتتجنبه بكافة الوسائل. وعلى سبيل الاحتياط نثرنا الصبية الصغار للتحذير من أي مداهمة محتملة. لكننا لم نعمل حسابا للبلابل! ولم يخطر ببالنا قط أن هذه الكائنات الهشة، ذات الريش، يمكن أن تبدد أمننا وتهدد تجارتنا.

بدأت القصة عند تخوم الفجر. من المعتاد أن تسهر حارتنا طيلة الليل وتنام عند الشروق. ولا نستيقظ إلا قبيل العصر لنستعد لليلة الحمراء القادمة. لذلك سمعناه بكل وضوح. البلبل الصداح الذي جاء على حين غفلة واستوطن الشجرة العتيقة.

كانت الحارة تلملم بقايا السهرة الماضية. وعلى الأرصفة بقايا أعقاب السجائر المحشوة بالمخدرات، وقنينات الخمر الفارغة، وعشرات من الواقى الذكرى المُلقى تحت الشبابيك المفتوحة. كان الليل يلفظ أنفاسه الأخيرة ورائحة السجائر والعرق واللحم البشرى تعبق الأمكنة. وقتها ارتفع غناء البلبل.

بدأ البلبل يخدش الهدوء وكأنه يجرب نفسه. ثم بدا وكأنه اكتسب ثقة بغنائه فارتفعت نبرته أكثر فأكثر. رقيقا، شفيقا، شجيا، نقيا، طاهرا، كأنه يمثل نقطة النور المكنونة في أعماق أعماقنا. نقطة النور التي لم نرها أبدا، ولم نسمح يوما ببزوغها، أو تشع علينا، أو تبدد الظلام الذي اخترناه ورتبنا عليه معايشنا.

الجميع كف عن الكلام. وحتى المرأة البغى أنصتت وقد بدا على وجوهها تعبير حالم. ملامح القديسة الكامنة في أعماقها، والتى لم تخرج إلى السطح يوما. نهرت عشيقها الملقى عريان على السرير الرخيص وأمرته في حدة أن يصمت.

لم يعلم البلبل بالانقلاب الحادث. لنصف ساعة كاملة ظل يغرد. هل كان يناجى الصباح القادم؟ هل اشتاق لقطرة الندى ولأوراق الأشجار اليانعة؟ هل كان يعبر عن حبه لوليفه الذي طال غيابه؟ هل كان يدعونا– كنبى- إلى العفاف والتقى؟ هل كان ينعى علينا حياتنا القذرة؟

لا نعلم. لا أحد يعلم.

وسكت البلبل ونامت الحارة. وطيلة نومها تشاهد أحلاما نقية. وحتى حين واصلت الخطيئة بحكم العادة كانت تنتظر بشغف الشروق القادم؟ وحين صدح البلبل للمرة الثانية أصغى الجميع وسكتت الحارة.

في الأيام التالية رفضت البغى أن تمارس الدعارة. لم يعد ممكنا أن تتقلب بين أجساد الرجال ثم تصغى آخر الليل لغناء البلبل. وبدأت متتالية من الخير النقى. كأنها دعوة نبى استجاب لها الخاطئون. أُغلقت الحانات. بارت تجارة المخدرات. ارتفعت المستشفيات والمساجد. تهددت مصالح كبرى. كل هذا والنبى الجديد يصدح فوق الشجرة.

وفى ليلة ظلماء، قبل شروق الفجر بقليل، اهتزت الحارة لدوى طلق نارى. ومنذ تلك اللحظة لم يعد يُسمع غناء البلبل وعاودت الحارة سيرتها من جديد.

 

 

 

 

 

 

 

المصدر:المصرى اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.