أيمن الجندى يكتب | طارق

أيمن الجندى يكتب | طارق

د.-أيمن-الجندى1

استيقظ بعد غفوة بسيطة فى غرفته بالمستشفى. كل شىء حوله أبيض ويذكره بالموت، بالكفن الذى يوشك أن يرتديه. وها هو ضوء النهار يتدفق من خلال النافذة ساخرا من هواجس الأمس، وكأنما الحياة تناديه.

لشد ما يضيق بالوحدة. لشد ما يتمنى لو تكدس الزوار ونفد الأوكسجين من هواء الغرفة. وها هو الزمان قد استدار، وعادت الدنيا إلى هيئتها يوم وُلد! وحيدا كما بدأ. طفل بلا إخوة وكهل يصارع الموت وحده. يعرف جيدا كيف يطول النهار أكثر من اللازم! ويمتد الليل أطول من اللازم. لذلك نشأ لا تؤنسه إلا أشباحه، وتعلق بالقراءة وأحلام اليقظة. وحين أصبح من فصيلة الكبار وصمم على إنجاب أكبر عدد من الأطفال رفضت زوجته بقوة. كان يستطيع أن يجبرها أو يتزوج عليها، ولكنه استكان لضعف شخصيته، وها هى مخاوفه قد تحققت كنبوءة! أصابه الشلل بعد أن ماتت زوجته وهاجر الولدان. وعاد إلى نقطة بدايته، فالمجد للشكل الدائرى!

وأخذته غفوة قصيرة استيقظ بعدها على رجل فضى الشعر يقف بجوار سريره ويبتسم. ابتسم فى ارتباك. لا أحد يزوره بعد أن خرج على المعاش منذ وقت طويل ونساه الجميع حتى جيرانه. ولكن مهلا. هناك شىء مألوف فى ملامحه لا يستطيع الإمساك به. قبل أن يتساءل أجابه الزائر فى لهجة لطيفة: «ربما لا تذكرنى بعد هذه السنين الطويلة. أنا طارق».

وبالفعل شاهد فى ملامحه الطفل القديم. نظر إليه فى ذهول، ثم سرت قشعريرة فى أنحاء بدنه. حتى جانبه المشلول، الذى لا يشعر فيه بشىء، غزته القشعريرة.

لم يسمح له والداه باللعب فى الشارع إلا بعد توسلات ودموع وإضراب عن الطعام. كانت الشوارع هادئة ولا تمر السيارات إلا نادرا. وبرغم ذلك تقف والدته فى الشباك ترمقه بقلق. وقتها عرف طارق الذى يسكن فى العمارة نفسها. صديقه الوحيد الذى شاركه لعب الدراجة. كان يصغره بعام واحد وإن كان يفوقه حيلة. وأحبه بكل مشاعره المكبوتة. وأحس أن الحياة ترتدى الألوان بعد أن كانت أبيض وأسود. كانا يتسابقان معا بالدراجة، ويلوح لأمه فى مرح. وأحيانا يسيران ويتسامران! لم يحب الحياة كما أحبها فى هذه الأيام. ولم يكن يدرى الفجيعة القادمة!

كانا يتناولان طعام العشاء، وأفلتت منه ضحكة جذلة. وسألته أمه عما يضحكه، فذكر لها بعضا من طرائف طارق! لماذا توقفت أمه عن الطعام؟ وراحت تستقصى عن طارق وقد بدا عليها القلق؟ ولماذا ارتدت ملابسها بسرعة ودفعته فى خشونة إلى عيادة الطبيب! الطفل يا سيدتى يحتاج إلى صديق فما الذى يقلقك فى هذا؟

قالت وعيناها تتسعان فى رعب: «لأنه لا يوجد فى العمارة طفل اسمه طارق!».

وحده الذى يراه! كان انتزاع طارق منه كانتزاع ضرسه! وحين رفض التصديق بكت أمه وقالت إنه كان يدور بالدراجة وحده! طارق وهم اخترعه عقلك التواق لأصدقاء! فيرد باكيا:« ولكنى ما زلت أراه!» فتقول فى تصميم: «لن تُشفى إلا إذا تجاهلت وجوده».

كم مر على هذه الذكريات؟ عمر بأكمله! وها هى الدائرة تكتمل ويعود طارق فى اللحظة الحاسمة. وقال له طارق: «كان عليك أن تصدق عينيك ولا تبالى بهم». وقال له أيضا: «لا عتاب بين الأحباب ولا بين أصدقاء الطفولة». وضحك ضحكته الجذلة القديمة وقال وهو يشير إلى الباب: «أصدقت أنك مشلول؟ هيا فالدراجة تنتظرك».

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.