أيمن الجندى يكتب | طر فإنك طائر

أيمن الجندى يكتب | طر فإنك طائر

د.-أيمن-الجندى1

الفصل الأول ويتحدث عن ظاهرة الأجساد المتساقطة:

 

 

١- بدأت الظاهرة فى أصيل يوم من أيام الربيع. كان دكتور ياسر فى طريقه إلى المستشفى، حينما سمع صوت تفريغ هواء، ثم فرقعة هائلة، رفع ناظريه فوجد جسد فتاة يرتطم بأسلاك الكهرباء المعلقة، ليسقط الجسد عند قدميه بالضبط.

 

 

لعدة أيام تالية ظل يرتجف. وحينما تقصى الخبر قيل إنها كانت مصابة بمرض عقلى دفعها إلى الانتحار.

 

 

٢-فى الأيام التالية توالى سقوط عدة ضحايا من شرفات منازلهم. كان مشهد الأجساد المتساقطة مروعا. على أن الصحافة لم تهتم بالخبر إلا حين قفز وكيل نيابة من النافذة. يقول شهود العيان إنه كان يواصل التحقيق بشكل طبيعى، ولم يحدث له أى نوع من الهياج. كل ما حدث أنه انتابه نوع من الشرود الحالم. وكأنه متعرض لغواية أو منفصل عن الوجود. ثم فجأة ترك التحقيق وسار فى خطوات متمهلة نحو النافذة وقفز من خلالها. وراح يحرك ذراعيه فى استماتة قبل أن يسقط كتفاحة نيوتن.

 

 

تملك الرعب الحاضرين. وأثناء الفوضى التى أعقبت الحادثة كان بوسع المتهم أن يهرب بمنتهى السهولة، ولكنه لم يفعل! قفز كالمسحور هو الآخر ملوحا بذراعيه.

 

 

٣- فى الأيام التالية أصبح سقوط الأجساد مألوفا حتى صار من غير المأمون السير على جانبى الطريق.

 

 

الفصل الثانى وموضوعه: لماذا يفعلون ذلك؟

 

 

١- ظل الدافع فى نطاق التخمين حتى نجا أحد المتساقطين بسبب سقوطه على كتلة رمل. بدا كالمستيقظ من حلم طويل. وقال إنه سمع صوتا آمرا يهمس داخله ويقول له: «طرْ فإنك طائر». لم يشك لحظة فى صدق الهاتف ولا راوده ارتياب. أصبح كالمسحور حين تلقى النداء. وحين صار فى الهواء وحرك ذراعيه، لحظتها أدرك فقط زيف الهاتف. عرف أنه ليس طائرا كما قيل له، وسقط من علٍ ككتلة صماء.

 

 

٢- تلقف الإعلام شهادة الناجى. وخرجت إحدى مذيعات التوك شو الشهيرة بالولولة، وراحت تصرخ فى هستيريا: «إذا سمعت الهاتف فلا تصغِ له. أنت إنسان لا يطير. والحيوان أيضا لا يطير. وكذلك الأسماك. عدم قدرتك على الطيران ليس شيئا تخجل منه». واستضافت أحد رجال الدين الذى راح يحوقل ويستعيذ بالله من الوسواس الخناس. ويتحدث عن ضرورة أن يرضى كل مخلوق بقدره ولا يقلد الطيور. وفجأة نقلت الكاميرات مشهدهما وهما يجريان ويقذفان بأنفسهما من النافذة.

 

 

الفصل الثالث وموضوعه: الذى طار كالطيور.

 

 

أنا الطائر. أنا الوحيد الذى لبى النداء. أنا الصديق الذى لم يخالطه الارتياب. أنا الذى حين دعانى استجبت. كنت شاردا أفكر فى غموض الكون من حولى حين سمعت الهاتف يخاطبنى بهدوء: «طر فإنك طائر». لم أتردد لحظة واحدة. وقفت عند حافة النافذة وشاهدت طيرا صغيرا يتعلم الطيران. قال لأمه: «أنا خائف». قالت وهى تهدئ من روعه: «أيها العبيط مم تخاف؟ أويخاف الطائر من الطيران؟».

 

 

وقتها أدركت لماذا تطير العصافير فى حين سقطت هذه الأجساد؟ العصافير لا تطير لأن لها أجنحة، أو لأن عظامها مجوفة، ولكن لأنها آمنت بقدرتها على الطيران. أما هم فقد عجزوا عن ذلك حين داخلهم الارتياب.

 

 

وأنا أؤمن. وهذه يداى أرفرف بهما كجناحى حمامة بيضاء. لم أتردد. نظرت إلى السماء الصافية، وأغمضت عينى، فصافحنى الهواء الرطب ورفرفت بأصابعى. ورحت أهمس داخلى: «كلى إيمان. كلى إيمان».

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.