أيمن الجندى يكتب | ظاهرة «التخوين» المؤسفة

أيمن الجندى يكتب | ظاهرة «التخوين» المؤسفة

د.-أيمن-الجندى

هل يمكن أن يجد هذا المقال صدى عند الناس؟ هل يمكن أن يتواضعوا، ويعترفوا بأنه لا أحد إلا الله تعالى يحتكر الحقيقة؟ هل أطمع أن يكونوا من الذين «يستمعون القول فيتبعون أحسنه»؟

عن ظاهرة (التخوين) أتكلم، التى شاعت فى المجتمع المصرى للأسف. هذه المحنة التى ابتُلينا بها مؤخراً.

الخيانة شىء بشع، وأسوأ ما يُوصف به إنسان أنه خائن، لذلك يجب أن نتريث كثيراً قبل إلقاء التهمة، ونعلم أنها ليست بالشىء الهين، ولا يجوز أن نطلقها ونحن نتسامر، غافلين عن معناها وأثرها، وأنها تكفى، إذا صحّت، لتحقير المتهم بها واغتياله معنوياً إلى الأبد.

والتخوين لعبة يلعبها اثنان، بل يلعبها المجتمع كله. خوِّن غيرك اليوم يُخوِّنْك آخر غداً. بحر رمال متحركة إذا انزلقت فيه قدماك غاصت أكثر.

ويحدثنا التاريخ أن التخوين إذا تحول إلى هوس جماعى فإن أول من يتم تخوينهم هم غالباً أشرف الناس وأصدقهم. ألم تر أن أول من ابتُلى بالتكفير، وهو فى جوهره نوع من التخوين، هو سيدنا على بن أبى طالب. لم يشفع له أنه ابن عم رسول الله وربيبه، وزوج ابنته المحبوبة، وفارس الإسلام المبرز، وتلميذه فى فقه الدين، ومع ذلك وجد الخوارج الجرأة أن يُكفِّروه، وهم حديثو العهد بالإسلام، فيما تورع هو عن تكفيرهم، وهكذا حين تعم البلية ويسهل التخوين فإن التهم تُلقى جزافاً، ولا تصبح هناك عصمة لأحد.

ومحنة التخوين جديدة على المجتمع المصرى المعروف بتنوعه ووسطيته وقيمه المعتدلة المتسامحة، وقبوله الآخر، بل الفخر بالأصول غير المصرية! للأسف أفرطنا فيه، حتى صرنا على أعتاب هوس جماعى يوشك أن يتحول إلى ضلالات عقلية، فصار المصرى العادى الذى كان يتقبل الاختلاف بصدر رحب لا يعتبر من يختلف معه صاحب تجربة مختلفة، ولا مخطئاً، ولا حتى ضالاً، وإنما يذهب إلى أقصى الطرف الآخر، ويصمه بالخيانة.

لم يعد أحد فى مصر محصَّناً من تهمة الخيانة، حتى الذين وقفوا سابقاً فى وجه السلطة، اختفت من قاموسنا كلمة «مخطئ»، وتم إحلالها بكلمة «عميل»، وانتهى استخدام «جانبه الصواب» لتصبح «خائن للوطن».

وأصبح كل فريق يريد منك أن ترى الأمور بعينه، وتتبنى وجهة نظره بالكامل. خليط الأبيض والأسود غير مسموح به، أن يكون عملٌ صالحاً وآخرُ سيئاً، فهذا غير مقبول بالمرة. أنت ملاك أو شيطان حسب رؤيتك للأمور.

هذه محنة تُحزن كل من يتمنى الخير لهذا البلد، ويستشرف المستقبل بنظرة كلية، ولا يستغرق فى التفاصيل، لأننا ببساطة إذا تمادينا فيها فسوف نجهض الاجتهاد، ونبطل التنوع، وكل من يحترم نفسه، ويحرص على كرامته سوف ينأى عن العمل العام، ويتقوقع فى ذاته، ولن يخرج إلى السطح إلا أراذل الناس الذين لا يبالون بالنجاسة وتمزيق ثيابهم، وجلىٌّ أن هذه العاقبة المخيفة سوف تحرم المجتمع من أروع ما فيه، وهو تباين وجهات النظر، الذى يثرى المجتمع ويصب فى مصلحة الجميع فى النهاية.

فلنعاهد أنفسنا على أن نكف عن استخدام هذه الكلمة المقيتة لأى طرف مهما اختلفنا معه. إذا كانت الغيبة هى أكلك لحم أخيك ميتاً، فإن وصفك له بالخيانة كأنك تذبحه! أدعو الله من كل قلبى ألّا يصدنا الكبر عن النصيحة، وأنا أولكم، ولئن أخطأنا سابقاً فخير الخطائين التوابون، وما نحن إلا بشر خطّاء بطبعه.

 

 

 

 

المصدر:المصرى اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.