أيمن الجندى يكتب | عشرة جنيهات

أيمن الجندى يكتب | عشرة جنيهات

د.-أيمن-الجندى1

جاءتنى من الأستاذ محمد حجيبة هذه الرسالة المؤثرة:

 

 

«من أقدار الله الحانية أننى- وأنا أسير فى طريقى- رأيت ورقة نقدية من فئة الخمسين جنيها. كانت الورقة منبطحة على ظهرها وكأنها طفلة رقيقة. تناولتها، وشرعت أفكر! تُرى من صاحب هذه الورقة؟ أ تراها لأحد المساكين الذين لا يمتلكون فى الدنيا سوى الأعمال الشاقة؟ أ تراه لا يملك غيرها؟ أ هى لمريض لا يبتغى من الدنيا سوى تخفيف آلامه؟

 

 

وهكذا ظللت أمسك الورقة النقدية فى حيرة عاجزا عن تبين ماذا أفعل بها. حتى عاودتنى فجأة هذه الذكريات البعيدة عن أخت لها! ورقة نقدية أخرى كان لها شأن فى حياتى.

 

 

كنا فى شتاء عام ١٩٩٦. وكنت فى هذا الوقت أتدرب على الملاكمة فى نادى الخالدين بالدرّاسة. وكان المدرب ضابط قوات جوية برتبة ملازم أول شرف. وكان يأمرنا أن نستيقظ فى الثانية صباحا كى نمارس تدريبات السويدى قبل موعد التدريب فى الصباح التالى.

 

 

لم أكن أملك وقتها سوى شبابى وآمالى وحلم يراودنى أن أجيد يوما لعبة الملاكمة. أن أصبح أحد أبطال العالم فى وزن الذبابة. ولم يكن يضارع فقرى سوى ثقتى بنفسى، وفى قوة ذراعى اليسرى وخفة حركتى وقدرتى على اقتناص الضربة القاضية فى التوقيت المناسب، بعد أن أرهق الخصم، وأستنفد طاقته.

 

 

وقتها كنت أعمل، وأحب، وأتدرب. هذه كانت حياتى. بمجرد أن أنتهى من عملى فى أحد المحال التجارية القريبة من مقر النادى الذى أتدرب به. لكن الأيام تفاجئنا بما لا نشتهى، وتنتزع منا أقواتنا البسيطة. شجار تافه بين صاحب العمل وأخيه ترتب عليه إغلاق المحل. وهكذا أصبحت بلا عمل! وهكذا أصبحت لا أملك فى الدنيا غير سبعة جنيهات فقط! بالإضافة طبعا إلى قوة ساعدى الأيسر! وحلم يراودنى أن أصبح بطل العالم.

 

 

لن أنسى هذه الأيام أبدا! ظللت أنفق من السبعة جنيهات، كما تأكل النملة بحرص من زادها المُدّخر، تحسبا للشتاء القادم. حتى انتهت السبعة جنيهات.

 

 

فى اليومين الخامس والسادس لا طعام ولا مال ألبتة، رغم ذلك لم أتوقف عن التدريب الشاق. استيقظت من النوم فى الواحدة صباحا على عضة الجوع. نزلت من المسكن المتواضع، وبدأت أركض. لم أكن أملك وقتها سوى الركض. قطعت المسافة من كوبرى الغورية إلى صلاح سالم، مرورا بقلعة صلاح الدين.

 

 

وهناك حدثت أروع مفاجأة فى حياتى!

 

 

فى منتصف كوبرى الأوتوستراد وجدت أجمل شىء فى العالم، ورقة نقدية من فئة العشرة جنيهات. مختلطة بآثار الحصى وأثار إطارات السيارات. كانت الورقة سليمة، وكأنها احتفظت ببكارتها خصيصا لى. لم أملك نفسى من أن أسجد لله شكرا فى وسط الطريق وسط السيارات المسرعة. انتابنى نشاط مفاجئ. قطعت الطريق حتى كوبرى الغورية، ومنه إلى الحسين، وابتعت وجبة طعمية لذيذة ومعها العيش البلدى والطرشى والسلطات.

 

 

ما زلت أذكر هذه الوجبة كأشهى وجبة ذقتها فى حياتى. كنت قد خططت أن أنام الليلة أيضا بلا عشاء. ولكن، من فوق سبع سماوات، كانت أقدار الله الرحيمة تعرف عنى كل شىء.

 

 

■ ■ ■

 

 

واليوم تغير الحال إلى الأفضل بحمد الله- تعالى. ترطبت عيناى بدموع الشجن. وأمسكت بالخمسين جنيها فى رقة. وخُيل إلىّ أنها تهمس فى أذنى: أطلق سراحى، فإننى ذاهبة إلى صاحب النصيب الذى ينتظرنى».

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.