أيمن الجندى يكتب | علياء عند الشاطئ

أيمن الجندى يكتب | علياء عند الشاطئ

د.-أيمن-الجندى1

الشاليه مفتوح على رمال الشاطئ. وأمام البحر الأزرق المنبسط تجلس «علياء» ابنة السادسة عشرة تعرض جسدها البض المرمرى لأشعة الشمس. تتصارع الطفولة والنضج فى ملامحها الجميلة. توشك شمس الأنوثة أن تشرق فى عينيها الواسعتين، وفى شفتيها اللتين تشبهان وردة مضمومة. لكن طفولتها تتجلى أحيانا فى نظراتها البريئة وعفويتها الفاتنة. أما جسدها الرشيق فقد خرطه خرّاط البنات وانتهى الأمر. صدرها الناهد الخافق، خصرها الذى يضيق كقمع توطئة أن ينبسط فى أكمل صور الأنوثة وأجملها. مراهقة على أعتاب الشباب تنظر إلى أمواج البحر المتدافعة وتتساءل عن نصيبها فى الحياة.

وفجأة ارتفعت فى الشاطئ شبه الخاوى صرخة علياء المنزعجة. سمعتها أمها المنهمكة فى شؤون الطهى، فتركت ما فى يديها وأسرعت تهبط الدرج إلى حيث تجلس علياء على المقعد الأخضر القماشى، وهى تصرخ فى فزع وتحتضن قدمها. لم يكن الأمر أكثر من شظية زجاجية انغرست حين راحت تحفر بقدمها الصغيرة العارية فى رمال الشاطئ. كان الجرح سطحيا ولا يستحق مجرد الالتفات. لكن الطفلة- الأنثى المدللة ارتاعت حين شاهدت تمزق الأنسجة وتدفق الدماء. وشاركتها أمها الانزعاج فاحتضنتها كأن الأمر يستحق الفداء. بعد قليل اختفت ملامح الانزعاج من وجه علياء، واكتسبت ملامح الشهيدة التى تعرضت لحادثة مروعة سوف تخبر صديقاتها عنها هاتفيا حين يهجع البيت إلى الراحة عقب تناول الغذاء.

الصراخ لا ينقطع من الغرفة المغلقة ليل نهار. صراخ غير محدد المعالم وكأنه كلام اختلط بالألم، أو تخاريف من حياتها المديدة الماضية. وقد بان الضيق والانزعاج على زوجة ابنها التى لم تجد مفرا لاستضافتها فى البيت. ونظرت إلى أبنائها الذين بدأوا يدرجون تباعاً إلى مرحلة الشباب، وقد بدا عليهم عدم الاكتراث بجدتهم.

لا أحد يدرى بالضبط ما تشاهده الجدة فى صراخها المستمر، ولا أين تختفى حين يدخل ابنها الغرفة لتفقد حالها حين يسود الصمت- آملا وإن لم يصرح بذلك قط- فى وفاتها وانتهاء المعاناة. وحين كان يجد الغرفة خاوية وحين يبحث عنها فى أرجاء المنزل، بل أحياناً يهبط الدرج خوفاً من أن تكون قد غافلته وتسللت، ثم حين يعود مرة أخرى إلى غرفتها يجدها راقدة على سريرها، وقد بدت عليها ملامح الإعياء.

كانت قد مرت ساعة تقريباً على إصابة قدمها حين شاهدت علياء امرأة عجوزا تظهر فجأة. هيئتها أخافتها! شعرها المنكوش كساحرة مجنونة. وجهها الذى تحول من فرط شيخوختها إلى قناع. النظرة التائهة فى عينيها وكأنها لا تدرى ما الذى جاء بها إلى هنا. حولت علياء عينيها على الفور إلى أصبع قدمها المصابة، الشبيهة بحلوى، وتفقدت موضع الجرح الذى أقامت الدنيا وأقعدتها من أجله منذ دقائق معدودات، وحين رفعت عينيها مرة أخرى كانت العجوز قد اختفت. لم تفهم علياء كيف ظهرت وكيف اختفت، لكنها شعرت بالارتياح.

بعض ألغاز الكون لا تفسير لها لخروجها عن مألوف البشر. مثال ذلك قدرة الجدة على اختراق الزمن وولوجها إلى أزمنة ماضية دون أن يدرى أحد بذلك، ولا حتى هى! ولو أدركه الناس لما استوعبوه! برغم أنهم لا يبدون دهشة مماثلة لحدوث أشياء هى فى حقيقتها أصعب تفسيراً، مثال ذلك أن هذه الجدة التائهة، التى ظهرت بغتة على الشاطئ، هى نفسها المراهقة علياء، ولكن بعد سبعين عاماً تغير أثناءها الكثير… الكثير جداً من الأشياء.

 

المصدر:المصرى اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.