أيمن الجندى يكتب | فاطمة

أيمن الجندى يكتب | فاطمة

د.-أيمن-الجندى1

سمعت فاطمة دقات الجرس وخطى أمها وهى تفتح الباب، ثم حفيف أقدام وأصوات ترحيب متداخلة. شرعت تقرأ فى شرود. لقد اقترب الامتحان ولم تبدأ المذاكرة الجدية. شغلتها ملاحقة جارها أحمد المتكررة، وصور الماضى التى صارت تلاحقها. وفجأة اقتحمت أمها الغرفة، وقالت فى انفعال: «أحمد جاء يخطبك». قالت فاطمة بشكل قاطع: «لا أوافق». واضطربت أمها وقالت: «أحمد شاب ممتاز وأهله طيبون».

خرجت الأم بسرعة صوب ضيوفها. وبقيت فاطمة تغلى من الغضب. كيف يجرؤ أن يقتحم بيتها؟ كيف يجرؤ أن يبتسم فى وجه أمها التى لا تعرف أنه القاتل الحقيقى لابنها عمر؟ ألقت نفسها على المخدع وراحت تبكى فى صمت. أثقلها السر الذى تحمله ولم تصارح به أحداً. لا تدرى لماذا لم تبح به! أهو الخوف؟ أم الصدمة؟ أم لأنها شكت أن عينيها تخدعانها. من فرط ما استرجعت المشهد آلاف الليالى المسهدة حتى صارت تشك فى حدوثه من الأصل. هل حدث بالفعل أم أنه أوهام خيالها المضطرب؟

منذ أن كانا طفلين وهى تعلم أن أحمد يحبها. هذه أشياء تحسها بالفطرة. اهتمامه بها، حرصه عليها، إدامة النظر إليها. تغاضيه عن عنف أخيها «عمر». كان أحمد جارها، الذى يقطن فى العمارة المقابلة. وقد كان طبيعيا أن تتجه مشاعرها الفطرية إليه لولا الفاجعة التى أحاطت بمصرع أخيها عمر.

دفنت فاطمة رأسها فى الوسادة وراحت تبكى بحرقة. لم يكن لائقا أن يتقدم لخطبتها وهو يعلم أنها رأت كل شىء. كانت واقفة فى الشرفة حينما كانت الشاحنة تقترب. وكان عمر يركض دون أن ينظر أمامه. وكان بوسع أحمد أن يجذبه أو ينبهه. وأغمضت عينيها فى استبشاع والشاحنة تدهم جسده.

وعادت الأم من جديد قائلة: «أحمد يصر على الحديث إليك». وقبل أن ترفض وجدت أحمد خلفها: «أرجوك يا فاطمة امنحينى دقيقتين على انفراد. هناك سوء تفاهم يجب أن أبدده».

وجلسا على مقعدين متقابلين بعيداً عن الأسماع. رفع إليها عينين مليئتين بالحب. همست بصوت أجش: «كان بوسعك أن تنقذه». ابتسم فى حزن: «سأحكى لك حكاية تبدو كالخيال، بعدها اتخذى قرارك».

قال: «يُحكى أن هناك طفلاً كان يحب جارته. من أجلها صادق أخاها العنيف وتحمل قسوته. وحين كانا يلعبان فى الشارع، وأوشكت شاحنة أن تصدم أخاها فإنه استطاع أن ينقذه. رأت محبوبته كل شىء وجعله هذا يكبر فى عينيها. ومضت الأيام وكبرا معاً. وكبر الحب الذى يحملانه. وكبر أيضاً أخوها العنيف الذى تبين أنه يحمل شخصية إجرامية. أصبح وبالاً على أمه وأخته. أدمن المخدرات، مارس العنف، اغتصب ميراثها، رفض زواجها من صديقه لأنه كان يغار من نجاحه. تحول الأخ إلى لعنة، وفى كل مرة كان صديقه يتذكر الشاحنة التى أنقذه منها ويتساءل: هل أحسنت التصرف؟

وفجأة حدث شىء خارق لا يمكن تفسيره. وجد الزمن يتراجع، واللحظة القديمة تصبح واقعاً. لقد عاد طفلًا، وعادت الشاحنة تقترب. عاد كل شىء يحدث بالسرعة البطيئة. الشاحنة تقترب. عمر يتراجع بظهره. وفاطمة تنظر من الشرفة. لكنه هذه المرة لم ينبهه أو يمد يده. كان يعلم ما هو آت لأنه عاشه من قبل، وكان عليه أن يتخذ قراره فى لحظة.

ورفع إليها عينين حزينتين مليئتين بالتوسل: «أنا لم أتركه للموت ولكنى أنقذته مما هو أسوأ».

 

 

 

 

 

المصدر:المصرى اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.