أيمن الجندى يكتب | فراشة

أيمن الجندى يكتب | فراشة

د.-أيمن-الجندى1

كان الطريق مزدحما كما هى العادة. ومن خلال الباب الزجاجى المفتوح دخلت فراشة صفراء اللون تحملها هبات الهواء البارد إلى داخل المتجر، مع مزيج الأصوات ونفير السيارات ونداء الباعة الجائلين.

بدت الفراشة غريبة الشكل فى غير بيئتها الطبيعية، ولم يكن أحد يهتم كيف حملها الهواء إلى وسط المدينة برغم غياب الحدائق حوله. لم ينتبه صلاح إلى هذا الكيان الضئيل الذى دخل المحل. وإنما وقف صلاح خلف الرف المكدس بالبضاعة، مختلسا النظر إلى الشارع، حيث تمر العائلات الواحدة تلو الآخرى. الأب فى المقدمة تتبعه الأم والأطفال. وإنهم يتناقشون فى اهتمام، وتحتدم أصواتهم توطئة لأن تعلو الضحكات. وهو الوحيد سيئ الحظ الذى يتعين عليه أن يقف مسمرا، فى ليلة العيد، خلف الرف، فى انتظار الزبائن.

دارت الفراشة عدة دورات وكأنها تتفقد محتويات المحل. ثم هبطت بالقرب من ساعد صلاح. وبدأ كأنها تتأمل الشعيرات الكثيفة فوق ساعده الرجولى فى اهتمام. النساء يتكدسن أمام الواجهات الزجاجية، ويدخلن زرافات. وبعد أن يقلبن البضاعة اللاتى يطلبن إحضارها من فوق الرف، ويرهقنه فى الفصال حتى آخر قرش، يخرجن فى معظم الأحيان دون شراء. صاحب المال واقف على جنب، ينظر إليه شذرا كأنه المسؤول عن بخل النسوة وظروف الكساد. إذا لم نصرّف البضاعة فى مواسم الأعياد، فكيف أدفع رواتبكم؟ يتحدث ابن الحرام باعتبار الجنيهات الشحيحة التى يدفعها راتبا! يمنحه الفتات مغموسا بالنقمة. لا تكفى وجبات الطعام فيضطر أن يقطع على قدميه مسافة خمسة كيلومترات. لكن الحذاء يبلى وابن الشيطان تلتصق نظراته اللزجة بعينيه فلا يملك سوى الإغضاء. لكم يتمنى أن يبادله السباب ثم يترك المحل إلى حال سبيله. لكنه الفقر الذى يجبره على احتمال ذلك كله. الفقر وقلة الحيلة وعدوان الحياة.

طارت الفراشة وكأنها فقدت الاهتمام بساعد صلاح. وتمتمت السيدة بشيء ما عن جشع التجار ثم غادرت المحل غاضبة. كان يعرف أنها ترتدى جوربا ممزقا وثيابا داخلية رخيصة. فقراء يشترون من فقراء.

وعاود النظر إلى بهجة الأعياد بالخارج والكتل المتزاحمة التى تحتفل فى الشارع. وبرغم الفقر الذى يكويهم فإنهم يملكون شيئا لا يملكه: قدرتهم على الاحتفال، السير فى جماعات، دفء الأسرة. وهبت نسمة باردة منعشة وسط زحام الأنفاس، ودوّت ضحكة نسائية لعوب لا يعرف مصدرها. ونظر صلاح حوله فى جزع باحثا عن يد تنتشله؟ هل أسافر؟ لا توجد أمامه فرصة للسفر؟ هل أسرق؟ لا يوجد شيء يسرقه. كلها بضاعة مزجاة رخيصة بلا قيمة. وحتى إذا سرق فالسجن مخصوص للفقراء.

وقف صلاح ساكنا فى منتصف المحل شاعرا بالشقاء. كان التوق إلى حياة أفضل يعذبه، يعتصر قلبه بقبضة لا قِبَل له بها. وفكر أنه سيظل هكذا على هامش الحياة. وأن الغدّ لا يعده إلا بالوقفة نفسها، فى المحال الضيقة، فى انتظار زبائن لا يجيئون. وبرغم ذلك لا يستطيع أن يتمرد على دوره المرسوم.

كانت الفراشة قد حوّمت قرب الباب. كان صلاح قد وقف يرمق الأفق الحالك من خلف لوح زجاجى مضبب. وتنهد دون أن يدرى فتكثفت أنفاسه على الزجاج. ومن خلال الباب الموارب، اندفعت الفراشة صوب الخارج يحملها تيار من الهواء البارد إلى الليل الغامض، المُمعن فى عمقه وغموضه.

 

 

 

 

 

 

 

المصدر:المصرى اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.