أيمن الجندى يكتب | فى الانتظار

أيمن الجندى يكتب | فى الانتظار

د.-أيمن-الجندى

جاءه الخطاب على حين غرة يطالبه بالذهاب. الخطاب لغته رسمية ومتحفظة وكلماته قليلة ولكنها آمرة. شأن من يعرف أنه سيُطاع حتما. أدرك منذ اللحظة الأولى أنه سيذهب برغم ما سيتجشمه من تعب. فهناك مشقة السفر، وصعوبة إيجاد الوسيلة الملائمة، وكل الوسائل مجهدة. لكن الذهاب إلى هناك كان حتميا وهو يتوقعه منذ وقت طويل.

 

 

أخيرا وصل إلى هناك. كانت الرحلة مجهدة بشكل يدفعه إلى تجنب تذكر تفاصيلها. فقط يتمنى أن تنتهى على خير. استلم الموظف المختص أوراقه بوجه لا انفعال فيه. وأشار إلى المقاعد الخالية طالبا منه الانتظار.

 

 

جلس على المقعد محملقا فى لا شىء. الرواق طويل وملىء بالمقاعد الخاوية. ولم يكن هناك ما يجذب بصره أو يلفت انتباهه. بدا له اليوم طويلا، أطول مما مر به فى حياته كلها. لكنه كان يعلم أنه مجبر على الانتظار.

 

 

وراح فى إغفاءة قصيرة. لكن خاطرا مزعجا أن الموظف ربما ناداه أثناء الإغفاءة، فشرع ينظر إليه فى رجاء. لكن الموظف تجاهله فتاه مرة أخرى فى أفكاره الداخلية. وتتابع أصحاب المصالح، كلهم سلموا الموظف المختص أوراقهم، ومعظمهم أمرهم بالانتظار. قليلون جدا من أفسح لهم الطريق إلى الداخل، وعاملهم باحترام واضح. برغم أن ثيابهم لم تكن غالية، ولا هيئتهم توحى بأنهم من علية القوم. إذ يبدو أن المختصين بالمكان لا يبالون باعتبارات الوجاهة والإتيكيت.

 

 

وبينما هو تتواثب أفكاره إذ لاحظ وجها مألوفا لأحد معارفه يجلس فى هدوء على مسافة مقعدين. تملكته الدهشة. يا لها من مصادفة أن يأتى فى اليوم نفسه! التقت أنظارهما فنهضا فى اللحظة نفسها وتصافحا. سأله فى فضول إن كان وصله هو الآخر خطابا يطالبه بالحضور لكنه هز رأسه نافيا. وخجل أن يسأله لماذا جاء!

 

 

وجلسا صامتين وقد أسعده أنه لم يثرثر. وعاد إلى أفكاره الداخلية ولكن بشكل سطحى. لأنه سرعان ما لاحظ وجود وجه آخر يعرفه. فهم بالنهوض ليصافحه لكنه أشار إليه أن يجلس مكانه ولا يتجشم التعب. وبالفعل جلس فى المقعد المجاور له وتبادل معه حديثا وديا ثم عاد الصمت من جديد.

 

 

فى الدقائق التالية شاهد جاره فى المنزل، وزميله فى العمل، وصاحب كشك فى طريق بيته يشترى منه دون أن يعرف اسمه. كانت هذه مجرد بداية، لأنهم تتابعوا بعدها بالمئات. هناك شيء غير طبيعى بالمرة. إنهم يتوافدون تباعا، كلهم وجوه يعرفها، وقابلها فى مرحلة ما، ولكنهم لا يعرفون بعضهم البعض. هو الشيء الوحيد المشترك بينهم جميعا! يأتون دون تسليم أوراقهم إلى الموظف المختص ثم يجلسون صامتين. هل تصادف أن المدينة كلها قررت أن تذهب إلى هناك لإنجاز المهمة فى اليوم نفسه؟ أخرج خطاب الاستدعاء وشرع يقرأه مرارا ثم زحف إلى أقرب معارفه وتساءل هامسا: «هل جاءهم مثلى خطاب يطالبهم بالحضور؟». هز صديقه رأسه نافيا. تساءل فى دهشة: «وكيف تأكدت؟ هل تعرفهم كلهم؟». همس صديقه: «أعرف بعضهم». وصمت قليلا ثم أحس فجأة ببرودة تغزو قلبه وتزحف إلى قدمه. قال فى رعب: «هل جاءوا كلهم من أجلى». ورد صديقه: «ربما». قال فى قلق: «ولكن لماذا؟ الأمر لا يستحق ذلك».

 

 

وقبل أن يتسنى للصديق إجابته، إن كان سوف يجاوبه أصلا، سمع الموظف فى صوت حازم يناديه مطالبا بالقدوم.

 

 

 

 

 

 

 

المصدر:المصرى اليوم

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.