أيمن الجندى يكتب | فى المقهى عند المنحنى

أيمن الجندى يكتب | فى المقهى عند المنحنى

د.-أيمن-الجندى1

لم يعرف طريقه للمقهى إلا بعد الحادثة. سار بساقين مرتجفتين وهو لا يصدِّق بنجاته. كانت السيارة قد انقلبت عدة مرات ووجد نفسه خارجها بأعجوبة. وكان سائقو السيارات العابرة قد توقفوا ليرمقوا الحادثة بنوع من الفضول الوحشى. كانت ملابسه ممزقة والدماء تلطخه، وبرغم اختراق المتجمعين دون أن يحاول أحدهم أن يمنعه. وسمع بوضوح سارينة الإسعاف وهى تنوح مقتربة. هنالك وجد المقهى، ممعناً فى الهدوء، مغرقاً فى العزلة. شده إليه الصمت والانفراد والسلام المهيمن. لم يسأله أحد عن حاله. ولم يبدُ أن أحداً لاحظ ثيابه الغارقة فى الدماء. أو الإصابات والخدوش التى ملأت وجهه. قدم إليه النادل كوباً زجاجياً شفافاً مليئاً حتى حافته بالشاى الأحمر تسبح على قمته أوراق النعناع الأخضر. وهبت نسمة هواء هادئة وأحس براحة لم يستشعرها من قبل فى حياته.

وجوه رواد المقهى لها سمت الهدوء الراقى. فى بساطة انضم إليهم واستمعوا له باهتمام وهو يحكى قصة نجاته من الحادثة. وأشار إلى المنحنى القريب حيث خرج من السيارة المحترقة. وهنأوه على السلامة. وحكت فتاة طويلة الشعر رقيقة الملامح عن تجربة مماثلة. وابتسم رجل كهل معلناً أنه هو الآخر نجا بأعجوبة. وهكذا راح كل واحد منهم يدلو بدلوه. وانقضى الليل سريعاً وحان وقت الانصراف فودعهم على أمل اللقاء غداً. وترقرق فى هواء الليل الرطب المعبأ بالسكينة. كانت المدينة نائمة على غير العادة وأحس براحة لا نهائية وعزلة محببة وهو يسير فى الشوارع الخالية.

فى الليالى التالية استمع لحكاياتهم.. كلهم عرفوا هذا المقهى بعد النجاة من حادثة مميتة. حاول أن يناقش خطورة المنحنى وتقاعس المسؤولين عن القيام بواجبهم إلا أن أحداً لم يهتم. وهب نسيم الليل الرطب فمسح وجهه وربت على كل جراحه. ومن بعيد سمع صوت إطارات السيارات وهى تنهب الطريق المسرع. واعترف بأنه قد صار غريباً عن هذا العالم وأن كل ما يحدث فيه لا يهمه. الرفقة هى المهمة، وهؤلاء الأصدقاء والشاى الأحمر فى كوبه الزجاجى وأوراق النعناع الطازجة. المهم هو نسيم الليل الرطب يلثم ملامحه. الشوارع الصامتة الخالية من الناس وتلك العزلة المحببة التى لم يعرفها إلا منذ الحادثة.

كان ممكناً أن يستمر الأمر على هذا النحو لولا أنه شاهد قطة بيضاء تدلف إلى المقهى. قطة تشبه قطته القديمة التى لقيت حتفها فى طفولته. وانتبه إلى غرابة الموقف. وغزته قشعريرة مرعبة. وأخذ ينظر إلى هذه الوجوه الهادئة التى تتناول السمر دون اكتراث لملامحه المتقلصة.

وعادت له ذكرى الحادثة. كيف استطاع أن ينجو من سيارة مشتعلة؟ ولماذا لم تحاول الحشود استيقافه حين مرق من وسطها؟ وهؤلاء القوم غريبو الأطوار، أليس مذهلاً أنهم تعرضوا جميعاً لتجارب مماثلة؟ ولماذا لا يفكر فى شىء آخر! يفسر له كيف عادت قطة طفولته؟ لماذا لا يكونون أمواتاً لا يعرفون أنهم أموات؟ ويكون ميتا هو الآخر!

وغادر المكان بسرعة إلى المنحنى. ومن ورائه تسير القطة. كان الشك مميتاً وفوق الاحتمال، لذلك أراد اليقين بأى ثمن. وقف فى منتصف الطريق، وفكر أنه سيعرف حالاً إن كان حياً أو ميتاً! لو عبرته السيارة فهذا معناه أنه شبح! أما إذا دهمته فهذا معناه أنه كان حياً.

واقتربت شاحنة إلى الحد الذى دفعه لإغماض عينه، وراح يهمس لنفسه مُشجعاً: «الآن سأعرف! الآن سأعرف».

 

المصدر:المصرى اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.