أيمن الجندى يكتب | كرة النور

أيمن الجندى يكتب | كرة النور

د.-أيمن-الجندى1

جاءت كرة النور. جاءت لتسلبنى ابنتى. وأنا أرمقها فى أسى، عاجزا أن أدفعها، أو أستعيد أميمة. لا أملك سوى البكاء.

بعد عشرة أعوام من الانتظار جاءت أميمة. كانت زوجتى منهكة وتتناثر فوق شفتها العليا حبات العرق، راسمة شاربا مائيا مضحكا. لكنها كانت سعيدة. أخيرا تحقق الحلم الذى من أجله رحنا وجئنا. وركعنا وسجدنا. وطرقنا عيادات الأطباء.

ملفوفة فى ثوب أبيض. محتقنة، صارخة، باكية. ولكنها برغم ذلك كانت أجمل شىء رأيته فى حياتى. حملتها لثوان معدودة بيدى الكبيرتين الخشنتين وأنا أخشى أن أؤذيها بشكل ما. وبسرعة أعدتها لأمها. النساء يفهمن فى هذه الأمور.

كبرت أميمة. بيضاء وهشة ورقيقة وتجيد الحكايات. تستطيع أن تسلى نفسها وتصنع الدمى من أبسط الأشياء. ثم تترك كل شىء حينما أعود بعد يوم طويل منهكا. أحملها فينحسر الثوب عن ساقين نحيلتين كساقى الكتكوت. كانت تعتقد أن أباها الكبير قادر على كل شىء. حلوى تذوب فى فمها، فستان بهيج مزركش تطير به من الفرحة، حتى لو كان رخيصا وخامته سيئة. لو كنت أستطيع أن أغزل لها من الشمس فستانا لفعلت، ولطرزته بالنجوم. لكن العمل يوم والبطالة يومان! بعد الفجر بقليل، يصفعنا الهواء البارد، ونحن واقفون فى انتظار المقاول، نتدافع حول السيارة فى خشونة نغفرها لبعضنا، نذهب إلى حيث نغمس خبزنا بالتعب والإرهاق.

كنت أول من لاحظ المرض. لم يكن لديها وزن زائد لتفقده. وإنما زادت عيناها اتساعا. وبدأنا رحلة التردد على المستشفيات.

أسوأ من المرض الفقر! حين لا تجد لابنتك مكانا فى المستشفيات الغالية! أو حين يطلب منك الطبيب تدبير نقود غير موجودة. نقود يملكها غيرك. ولا توجد أى وسيلة للحصول عليها!

وكانت أميمة تتوجع. تزداد هزالا وعذابا. وتزداد عيناها اتساعا. وبرغم ذلك تفرح حين ترانى. وتطلب منى بإلحاح أن أعيدها للبيت.

كان واضحا أنه لا شىء يملكه الأطباء هنا. وحملتها إلى البيت رغم بكاء أمها.

كان الوقت ليلا حين ظهر النور. مثل قرص الشمس تظهر فى قلب الظلام. شاهدتها وهى تتحرك ببطء حتى دخلت إلى غرفة أميمة. امتدت خيوط من الضوء أشبه بالأيادى إلى جسدها النحيل. تضمها، تغلق عينيها، تحملها وتذهب بها بعيدا. وأنا أصرخ. كانت ابنتى وكان واجبى أن أحميها. لكن كرة النور انصرفت وساد الظلام.

مليون عام من الحزن كانت أمامى. أخمش وجهى. أطرق على الجدران المصمتة. أصرخ فى سكون الليل. أبارز الفراغ وأتحرش بالمجهول. وكانت أمها تبكى فى صمت. فيزيد امتثالها جنونى.

وفجأة عادت كرة النور. وانتابنى الرعب حين فكرت أنها ستأخذ هذه المرة زوجتى. لكننى وجدت أطرافها الضوئية، الشبيهة بالأيادى، تحمل ابنتى وتضعها برفق فى حجرى، تُعيدها لى.

وشرعت أنظر إلى ابنتى والدموع تغرق وجهى. كانت تبدو جميلة وسعيدة، أجمل وأسعد من أى يوم آخر. وترتدى ثيابا من حرير لم أكن لاشتريها.

وظلت كرة النور فى فراغ الغرفة وكأنها تنتظر ما سأفعل. تزداد فى كل لحظة صفاء وإشراقا. وفجأة فهمت كل شىء. كانت خطيئتى أننى قست على خبراتى السابقة وتصورت أن كرة النور جاءت لتسلبنى ابنتى.

وعرفت أن النور معنا لا علينا، جاء ليمنح التعساء سعادة لم يعرفوها فى حياتهم السابقة. وشرعت أتوسل إلى كرة النور أن تمد أطرافها النورانية لتأخذ ابنتى من جديد.

 

المصدر:المصرى اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.