أيمن الجندى يكتب | كى نحيا بكرامة

أيمن الجندى يكتب | كى نحيا بكرامة

د.-أيمن-الجندى1

ألم يحدث لك أن شعرت بالتضاءل حين تقارن بين أحوالنا وأحوال الشعوب المتقدمة، بين حقوق الإنسان عندنا وعندهم؟ ثم تقول بصوت خفيض: «لسه بدرى علينا أوى». أو تقول شاعرا بالمسكنة: «إيه اللى جابنا لأمريكا؟».

لكن ألم يخطر ببالك أنهم كانوا حتى وقت قريب مثلنا! كانت العدالة مليئة بالثقوب، والمواطن الضعيف مهدد بأن يُسحق، مثلما يحدث عندنا؟ هكذا انتابتنى قشعريرة وأنا أشاهد فيلم استبدال Changeling الذى قامت ببطولته أنجلينا جولى.

السيدة كولينيز اختفى ابنها الوحيد فى مارس ١٩٢٨. كانت شرطة لوس أنجلوس فى هذا الوقت غارقة فى العنف والفساد والرشوة. بعد ستة شهور أخبروها أنهم عثروا على طفلها. لكنها بمجرد رؤيته عرفت أنه طفل آخر، وإن كان يشبهه قليلا.

الشرطة تلاعبت بها. حاولوا إقناعها أنها مرتبكة. مرت ستة شهور يا سيدتى، وتغير شكله قليلا. خذيه إلى البيت، وإذا تبين أنه ليس ابنها، فسوف نستعيده، هذه كلمة شرف.

فى البيت تأكدت أنه ليس ابنها. معلمة المدرسة وجيرانها وطبيب الأسنان أكدوا جميعا أنه ليس ابنها. لكن الشرطة رفضت الاعتراف بالخطأ! هل رأيتم فجورا أكثر من هذا؟ يحاولون إقناع الأم بأنهم يعرفون ولدها خيرا منها. وأين يحدث هذا الهراء؟ تصوروا؟ فى أمريكا؟

أصرت الأم على الرفض. وقال الشرطى مهددا: «أتعرفين مشكلتك يا سيدة كولينز؟ إنك تحاولين التملص من مسؤوليتك كأم. لقد استمتعت بكونك امرأة حرة. لقد استمتعت بأنك لا تقلقين على ابن صغير. وأن تذهبى حيثما تريدين، وأن تفعلى ما تريدين، وأن تقابلى من تريدين. ولكن حينما وجدنا ابنك، وأعدناه، أصبح يزعجك. ولهذا السبب خططت لهذه المكيدة. حتى تلقيه على عاتق الولاية لتربيه لك».

هل رأيت صفاقة كهذه؟ شىء لا يصدقه عقل! أكرر أن القصة حقيقية. تابع الشرطى مهددا: «إما أن تصمتى أو نزج بك فى مستشفى الأمراض العقلية».

لم تصدق الأم إمكانية حدوث ذلك، لكنه حدث للأسف. تواطأ الأطباء المرتشون مع الشرطة، وكتبوا أنها تعانى من أوهام الاضطهاد، وأوصوا أن يتم حجزها فى عنبر الحالات العقلية.

لاحظ أنه من أصعب الأشياء أن تثبت سلامة عقلها. كلما حاولت التصرف على أنها سليمة العقل بدت أكثر جنونا. وإذا ابتسمت كثيرا، فهذا معناه أنها تعانى الوهم والهستيريا. وإذا لم تبتسم، فإنها تعانى من الاكتئاب. والحقيقة المرة التى اكتشفتها هناك أنه كلما وقع إنسان فى خصومة مع الشرطة جلبوه إلى مستشفى الأمراض العقلية.

وهكذا وجدت نفسها أمام اختيارين: إما أن توقع إقرارا أنها كانت مخطئة، وتنسى ابنها الضائع تماما، وإما أن تتلقى العقاب الصارم. ليس مهما ما حدث بعدها. فليس فى اهتمام المقال أن يتتبع أحداث الفيلم. المهم أن هذه التجاوزات الفاجرة كانت تحدث فى أمريكا، وفى عهد قريب نسبيا. لسنا وحدنا فى هذا العالم إذن. ولكن الفارق الجوهرى بيننا وبينهم أنهم صمموا على انتزاع حقوقهم والعيش بشرف وكرامة.

ينبغى إذن أن نقتدى بهم. ولا نركن لدواعى اليأس، وننسحق أمام المواجهة غير المتكافئة. لسنا بدعا من شعوب الأرض التى واجهت الفساد، ودفعت الثمن حتى استطاعت أن تحيا بكرامة.

رسالة هذا الفيلم تقول بلسان فصيح: «الأمر يتوقف عليكم. لا يطغى طاغية إلا حين ينسحق المواطن فى مواجهته. لسنا ضعفاء حتى لو بدا الأمر كذلك».

 

 

 

 

 

 

 

المصدر:المصرى اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.