أيمن الجندى يكتب | لغة التوائم

أيمن الجندى يكتب | لغة التوائم

د.-أيمن-الجندى1

حيرتنى الجفوة بين أحمد وإبراهيم. بدت لى شيئا غير مفهوم يتحدى كل ما نسمعه عن الصلة الروحية العميقة بين التوائم. أرحام أمهاتنا هى بيتنا الأول الذى صفا لنا بلا منازع! لكن مع توأمين كأحمد وإبراهيم كان الوضع مختلفا! فى ظلمة الرحم يتحسس كل منهما صاحبه. يتسامران أو يتنافران. يتبادلان المودة ويتبادلان الركلات. يحاول كل واحد منهما طرد الآخر، ثم يستسلمان لحتمية وجودهما معا.

كانا من أقاربى الأبعدين. يكبراننى بأعوام لا بأس بها. وكان التشابه بينهما يثير فضولى كطفل. وحين أتأمل وجهيهما يبدو عليهما عدم الارتياح.

متماثلان، لكنهما يحرصان على الاختلاف. حلق أحمد شاربه لأن إبراهيم تركه ينمو بكثافة. يرتدى إبراهيم نظارة رغم أنه سليم النظر. يعرض أحمد وجهه للشمس ليبدو أكثر سمرة. ذوقهما فى الملابس شديد التباين. ولكل منهما أصدقاء مختلفون.

مرت الأيام ولم يفتر اهتمامى بأمرهما، خصوصا حينما عرفت أن الصلة فى طفولتيهما كانت أقوى ما تكون. كانا يرضعان معا، ويبكيان معا، ويلعبان معا، ويتثاءبان معا، وينامان معا، ولا يكفان عن النظر إلى عيون الآخر. على أن ما أقلق الأم هو اللغة الخاصة التى يتحدثان بها! لغة سرية غامضة غير مفهومة، تتخللها ضحكات رنانة. وهما يسيران جيئة وذهابا، ويستمتعان برفقة بعضهما البعض. وبمجرد أن تظهر الأم يتوقفان عن الحديث.

قيل لها لا داعى للقلق فإن اللغة الخاصة بين التوائم ظاهرة معروفة تحدث فى أربعين بالمائة، ولا تعوق التطور اللغوى، ومعظمهم يتخلى عن هذه اللغة السرية مع تعلم المفردات.

لكن الأيام مضت ولايزالان يستخدمان اللغة السرية. كانت أمهما تختبئ لتسمعهما، ويغوص قلبها حين تجد أن لغتهما تسير على نسق منتظم، بأصوات متكررة ونبرة واضحة وحروف متحركة، وكأنهما يتبادلان رأيا أو يطرحان أسئلة! وداهمها الفزع حين خطر بعقلها أنها لغة الجن!

لكن الطبيب المختص كان حاسما بوجوب فصلهما فى بيتين مختلفين لمدة عام. حاولت الأم أن تطرح بدائل ممكنة. كأن ينام كل منهما فى غرفة بمفرده. لكن الطبيب كان حاسما فى حتمية الفصل التام.

بدت الأيام التى تلت ابتعادهما أشبه بجراحة مؤلمة. كان حزنهما أكبر من البكاء. ونقص وزن كليهما وزهدا فى الطعام. وحين انقضى أطول عام فى تاريخهما حرص الجميع على حضور لقائهما الأول. يقول الشهود إنهما تبادلا نظرة طويلة مؤلمة، ثم أدار كل واحد منهما ظهره لأخيه.

واستراحت الأم حين اختلف عالمهما. لم يعد هناك مجال للغة السرية. لم تسمعهما يوما ينطقان بها. كانا فى أغلب الأوقات لا يتحدثان معا إلا لضرورة قاهرة. وبدا واضحا للعيان أنهما يتعمدان الاختلاف. هل رسب فى عقلهما الباطن أوجاع التجربة المؤلمة فحرص كل واحد منهما، دون وعى، أن يتجنبها؟!

ومرت الأيام وكبرنا كلنا. وتزوج أحمد وإبراهيم وأنجبا الأبناء. ثم عادت الأيام تمر، وخطهما الشيب الأبيض حتى أفقنا ذات صباح على نبأ موت أحمد. على أن ما حدث بعدها لإبراهيم كان مروعا. تقول زوجته إنه بمجرد أن عرف موت توأمه حتى توقف عن الكلام تماما. وانتابتها القشعريرة حين سمعته يتحدث بلغة غامضة لم يسبق لها أن سمعتها من قبل! لغة لها نسق منتظم وأصوات متكررة ووقفات واضحة، وكأنه يرثى أو يعاتب أو يشرح موقفا أو يبكى حبيبا!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.