أيمن الجندى يكتب | لمحات من حياتنا الجميلة «1»

أيمن الجندى يكتب | لمحات من حياتنا الجميلة «1»

د.-أيمن-الجندى1

طائر مجهول الاسم! ليالىَ عديدة متعاقبة ألاحظه. ذلك الطير الجميل يحلق باستمرار فوق الحديقة. أظنه قادما من البلاد الشمالية. نصاعة بياضه تعطى إيحاء قويا بالثلج. أضف إلى ذلك حجمه الكبير غير المعتاد لطيور مصر وإحساسه الواضح بالأمان، بعكس الطيور المصرية التى تعيش حياة الخطر.

يبدأ كنقطة بيضاء فى الأفق البعيد. يقترب رويدا. يسبح فى رشاقة فائقة. يطير فى ارتفاع منخفض فوق الحديقة. يبدو كأنه يبحث عن شىء ما. شىء يفتقده. يختفى فى الأفق البعيد، ثم يعود من جديد. يواصل البحث المستميت. يقترب جدا.

جميل بين الطيور الأخرى. جميل ووحيد تماما. أتراه يبحث عن أليفه الضائع عاجزاً عن العودة للديار الشمالية، دون الحبيب؟! جاء الربيع هناك، وحان موعد العودة، ولكن أين الحبيب؟ أين؟

يبحث عن حبيب ضائع، عن ذكرى منسية.

السماء مفعمة بالطيور يا أحمق. أتعرف الوفاء لليالى الجميلة؟ للحظة ود متبادلة؟ لدفء عش ومصير مشترك؟

يوغل الليل، ويرقّ المساء، وتتوالى الشجون، ولا يكف عن البحث والتحليق.

وحيد جدا. وحيد تماما.. أخلع جسدى، وأطير معه. أبيض الجناح هو. وأبيض القلب أنا. أيها الطير العاشق، اتبعنى. النجوم ترشدك، والحنين يدلك. والشوق يدكنى ويدكك. قبة السماء لك. للعاشقين الأوفياء. والقمر قنديل معلق سهران.

أطير معك حتى الفجر. فقط حتى الفجر. تشرق الشمس، فالتحم بالشمس. شموس العارفين فى صدورهم لا تعرف الغروب.

فلتصحبك السلامة.

أرسل التحية، واتنهد سعيدا بالحياة، مفعما بالشجون.

■ ■ ■

الخوخ: مجنون أنا برائحة الخوخ ونكهته وتفرده. إذا مت، فادفنونى تحت شجرة خوخ. ربما كان هذا عزاء لى فى تحلل جسدى والفناء الذى سيجتاحنى. أن تختلط ذرات جسدى بجذور شجرة خوخ. تمتص حنينى وذكرياتى. تمتزج بأشواقى وحنينى. تعانق ذراتى وعبراتى. تحمل فى جزء منها أشواقى للحب. لعالم آخر يكرّس معنى الوفاء. تحمل نكهتى. تفوح برائحة زهورٍ لم يرها سواى. ترق بشرتها مثل رقة باطنى. تسيل شهدا مثل منحة الحب التى شقيت بها فى هذا العالم.

■ ■ ■

لحظة استيقاظك: هل تعرف تلك الثانية الأولى التى تسترد فيها وعيك، وتعرف أنك أفلتّ هذه المرة من الموت المخيف؟ أمامك يوم كامل. بل هو حياة كاملة. لقد ولدت من جديد. وهذا اليوم هو عمرك الجديد. عمرك الذى يشتمل على كل شىء ممتع، ويتسع لكل شىء مفيد. لا تبكِ أبدا على عمرك الذى ضاع، وشبابك الذى أفلت، والفرص التى ضيعتها. كل هذا وهم. مجرد حلم مزعج. هل تتذكر مساء أمس وكل أمس. سهر ومرض وحيرة وذكريات، ثم سطعت الشمس الجديدة، فبددت كل شىء حتى كأن لم يكن. كل شىء يموت حين يموت. والكون نفسه قد خُلق من جديد لحظة استيقاظك. تصور بهاء شمس خُلقت لتوّها. وتصور فرحة النهار الأول. هذه فرصتك الجديدة يا قلب الطفل. تستطيع استدراك كل ما فات من حياتك. بل تستطيع أن تعتبر أن شيئا لم يفت. الكون نفسه يقول لك: «ابدأ من جديد».

 

 

 

 

 

 

المصدر:المصرى اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.