أيمن الجندى يكتب | ماتيلدا

أيمن الجندى يكتب | ماتيلدا

د.-أيمن-الجندى1

كان جالساً على الأريكة ينظر باتجاه التليفزيون المغلق. زوجته ذهبت للنوم مبكراً لتنهى اليوم بسرعة. لشد ما كان يتمنى أن يفعل مثلها، لكن الرقاد على الفراش مفتوح العينين دون نوم على الإطلاق أشد وطأة!

 

يذكر حين كان يتمدد على ذات الأريكة وفى أحضانه ابنته. حجمها الضئيل فى بيجامتها المنقطة يثير مكامن أبوته. كانا يشاهدان معاً فيلم «ماتيلدا»، هذه الطفلة الصغيرة التى يهملها والداها. لكنها تتمتع بذكاء خارق وقدرة على تحريك الأشياء عن بعد. هذه القدرات الخارقة كان لها تفسير بسيط فى عقل ابنته الصغيرة وهو «السحرية».

 

هو وابنته ذات الثلاث سنوات، يعاودان مشاهدة شريط الفيديو الذى لا تمل منه أبداً، يشاهدان المقالب التى تصنعها ماتيلدا تجاه ناظرة المدرسة الشرسة وانحيازها لمعلمة الصف الشقراء الخجولة. أصبحت ماتيلدا بعدها من فرط المشاهدة شخصية يتبادلان الحديث عنها. ويمازحها حين يوقظها من النوم كى يثير انتباهها، وهى لم تزل تحت سطوة النعاس، أن ماتيلدا قد زارتها وهى نائمة. وتصدق صغيرته الجميلة فى كل مرة. خصوصاً حين يتظاهر بالجدية وهو يؤكد لها أنها مكثت تنتظرها طويلاً. وحينما ملت الانتظار فى نهاية الأمر فقد غادرت على وعد بالعودة. وفى كل مرة لا تحدث العودة إلا وهى نائمة. معروف طبعاً كيف جاءت؟ وكيف ذهبت؟ الإجابة معروفة فى كل مرة. إنها «السحرية».

 

……………

 

حينما ذهبت ابنته إلى المكان الذى لا يعودون منه أبداً لم يكن بوسعه أن يشاهد الفيلم مرة أخرى. لم يطاوعه قلبه أن يتخلص منه، ولذلك أخفاه فى ركن قصى منسى. لم يعد فى البيت سوى الأرائك الفارغة. وحجرتها التى تحولت إلى قبر موصد الأبواب لا يجرؤ أن يدلف إليها. لا شىء يعكر هدوء المكان، ولا حتى صمت زوجته ودموعها التى تنهمر فجأة ونظرتها الساهمة المعذبة كطائر حبيس يتطلع إلى الأفق من وراء النافذة الزجاجية.

 

كانت زوجته قد نامت أو تناومت. وعمَّ الصمت أرجاء البيت الذى لا يرتفع فيه صوت أبداً. ماتيلدا. يرقد على الأريكة التى كانا يجلسان عليها محملقاً فى الظلام متأملاً الأشباح المتعاقبة. ماتيلدا. لكم هو مدين لها بالكثير، فلطالما أسعدته وأسعدتها. لو كانت لها حياة حقيقية خارج الكتب والأفلام لتجشم مشقة السفر إليها، فقط ليشكرها. راح يبكى ويضحك فى آن واحد. ما أكثر الذكريات العذبة! حينما استطاعت الانتقام من الناظرة الشرسة وطردتها من المدرسة وعاشت إلى الأبد فى كنف معلمتها الشقراء الجميلة. فى عالم القصص لا يكبر الناس ولا يرحلون إلى الأبد. فى عالم الكتب يوجد تفسير بسيط لكل الخوارق يُدعى «السحرية».

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.