أيمن الجندى يكتب | ما أجمل الصوفية لولا المدعون!!

أيمن الجندى يكتب | ما أجمل الصوفية لولا المدعون!!

د.-أيمن-الجندى1

لم يعد بوسعى أن أكابر أكثر. شجون كقطع الليل المظلم. وهموم تنبح وتعض. ثقب أوسع من أى رتق، وأحزان فى حجم الفيل، لكن بلا بهجة ولا زلومة.

وأنا فى أوهن حالاتى، وقد انقطعت أسباب الأرض، أحاول البحث عن سند، وأعيد ترتيب أوراقى، أتأمل الحياة وما بعد الحياة، وأفكر فى هذا الكون الغامض، محاولاً العثور على مكانى فيه، وأناقش مع نفسى معنى السعادة ومعنى التعاسة، والفوز والخسارة، كى أقطف ثمرة الرضا من شوك السخط، وأستخلص السكينة من قلب النار.

وهذه الأشياء هى ببساطة جوهر الصوفية.

بينى وبينك، أنا وأنت، كلنا بحاجة إلى هذا الشىء الذى يسمونه «الصوفية»، من حيث هو خلوة وسكينة، وزهد وذكر، وتصالح مع النفس، مع التسليم بالمقدور، والرضا بما كان ويكون. انبذ الأسماء وانفذ إلى دلالات الأسماء. دعك من اللفظ وادلف إلى المعنى. إلى عالم الحب، إلى مملكة الروح.

بينى وبينك أنت أضعف شىء. أرق من ورقة شجرة، وأسهل تهشيماً من غصن. تحملك الرياح وتلعب بك الأعاصير. تملك العقل وتشقى به، وصلت إلى القمر ولم تصل إلى السكينة. اخترعت القنبلة النووية ويفتك بك فيروس صغير. عمرك يمضى وقوتك تضمحل وتخاف الغد، لا توجد أمامك فرصة سوى بالاحتماء بكائن أعلى، بقوة أكبر، بخالق السموات والأرض.

بينى وبينك، أنا وأنت، عقولنا متعبة. قلوبنا متعبة. أرواحنا متعبة. سفرنا طويل. وجوهنا مفعمة بغبار الطريق. نتسول السكينة ولحظة رضا. فانٍ ابن فانٍ، ميت ابن ميت، كل العلاقات مؤقتة ويبقى وجه ربك ذى الجلال والإكرام.

لكن المشكلة العويصة أن الصوفية تم تشويهها مثل كل شىء جميل. خاصمت العقل، تصادمت مع ثوابت الدين، توسعت فى المنطق الذوقى، اعتبرت التجربة دليلاً على المشروعية، تحولت إلى موالد وقبور وبدع وخرافات. ونسى الجميع الجوهر الجميل الذى لا علاقة له بهذه الأشياء! نسوا الذكر والزهد، والطمأنينة والسكينة، والالتحام بالكون والارتماء فى أحضان الطبيعة. وانشغلوا بالدخيل القادم من عصور التخلف وسنين الانحطاط.

نحن بحاجة إلى صوفية جديدة، لا علاقة لها ألبتة بممارسات الصوفية الحالية، يلجأ إليها المرء فى أيامه الصعبة، كانت الصوفية، وستبقى إلى الأبد، واحة المقهورين وعزاء المنكسرين. يحاول الإنسان عقد صلح مع ذاته، واكتشاف معنى جديد لحياته، واللجوء إلى رب لا يتخلى عنه فى الأزمات.

هذا هو طريق الصوفية الذى لا نهاية له: أن تمتزج بالكون الذائب فى حب خالقه، وترتفع مع الغمام، وتدور فوق الأرض، وتغترف من عذوبة الكون. تخترق قلب الذرة فتشاهد الإلكترونات وتطوف معها، وتسجد مع النجوم وتسجد مع الأشجار، سجد الفانى للباقى، سجد الذى يموت للحى الذى لا يموت.

هذه هى الصوفية كما أحتاجها، أشاهد عجائب خلق الله، فتخطف قلوبنا رحلة الضوء واتساع المجرات وأقمار الكواكب البعيدة. وندلف إلى عالم الذرة الصغير فنقع فى غرام الفوتونات ونتحول معها إلى شحنات كهربائية، ونشاهد عالم الحيوان وصغار الوعول، وسحر عيون المها، ووداعة الزراف، والعصارة الخضراء تسبح بحمد خالقها فى الأفنان العالية. وندلف إلى عبقرية الجسد الإنسانى، نتدفق مع الهرمونات، نسرى مع النبضات الكهربائية، نلعب مع كرات الدم الحمراء، نسابق الصفائح الدموية ونسبق الكرات البيضاء.

صوفية تكون لنا لا علينا، نستعين بها على أيامنا المؤلمة، فى تلك اللحظات الصعبة، عند الغروب والكروب.

 

 

 

 

 

 

المصدر:المصرى اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.