أيمن الجندى يكتب | مستكة

أيمن الجندى يكتب | مستكة

د.-أيمن-الجندى

الغرفة أقرب إلى حلم شرقى، مفعمة بعطر مُسكر مجهول. ويمر شعاع الضوء عبر زجاج ملون، لترتمى أقواس قزح على البساط الوثير. وعلى الأريكة الزرقاء تجلس «الساحرة» أمامه ترتدى ثوبا أزرق. وأحس بتهاويم من نعاس ووجود أقرب للحلم، منتظرا ما تقول.

 

وتكلمت الساحرة بكلام لم يفهم معظمه، مثل لحن لا تميز تفاصيله، ولكنك تعرفه حين تسمعه. قالت إنها تختبره، وينبغى أن يطيعها. لا يسأل. لا يشك. لا يتردد. وشاهدها تمسك بقطعة منحوتة من زجاج أزرق. قالت بصوت بعث فى حواسه الخدر: «هذه تُسمى مستكة mystica وأصلها usmysterio ومعناها غموض!».

 

أردفت فى غموض: «مستكة هى أرشيف الوجود البشرى وبنك الوجوه».

 

وفاح فى الغرفة أريج عاطر. وأحس أنه استنشق هذه الرائحة يوما ما. ربما قبل خلق العالم. ويداها الصغيرتان ممسكتان بمستكة، وكأنها تتعمد أن يظهر شلال الملامح الذى يتغير كل لحظة خلف الزجاج البللورى الأزرق، حتى ثبتت الملامح على صورة وجه رجل ما.

 

قالت الساحرة بصوت منغم: «اقتله. هذا هو المطلوب».

 

ونظر نحوه الوجه فى رعب وكأنه يسمع الحوار. عرف الاسم وكل شىء عنه، حتى ما يجهله صاحبه وتلاشى فى طى النسيان.

 

وأحس بتيار غامض من القلق ورغبة فى مقاومة الموج الجارف. هناك شىء ما غير مريح. شعرها فاحم كأنه مقتطع من قلب الليل. وعيناها سوداوان كقطعتين من القطيفة. وحاجباها عنبر أسود لهما كثافة مُحببة. الثوب أزرق والبساط أزرق و«مستكة» زرقاء.


ورمقته بنظرة آمرة فامتثل. غادر الغرفة مصمما على تنفيذ الأمر! ولم يدر ما الذى حدث بالضبط! لا يملك إلا ذكرى غامضة عن عين خائفة وأنفاس مضطربة وعنق طرى يضغط عليه بشدة وجسد يتهاوى بين يديه.

 

وتدفق الضوء عبر الزجاج الملون. وتصاعد نغم غامض وفاح عطر يعبق أرجاء الغرفة حيث جلست بفستان أزرق وشعر فاحم وعينين سوداوين.

 

وعادت يداها الصغيرتان تمسكان بمستكة. زرقاء كما عهدها. محفورة من زجاج أزرق له ثقل وكثافة. بنك الوجوه البشرى. تتعاقب الملامح كشلال حتى استقرت على وجه يعرفه من دون الوجوه.

 

هذه المرة لم يكن بحاجة إلى وحى غامض يخبره باسم الضحية المنذورة. إنها طفلته من دون أطفال العالم. مطلوب منه أن يقتلها وتتم التضحية، هى بالذات من دون الجميع.

 

وانتشر فى الهواء عطر فاغم، أجمل من باقى العطور. وشده نغم هائم يستقطر كل أشجان العصور. ونظرت له الحسناء كأنها تختبره. هل يقدم على التضحية الكبرى من أجلها؟ هل يمتثل؟ هل يقدم طفلته قربانا للرضا المأمول.

 

ولاح له وجه طفلته البرىء. وبدا كأنه يستفيق من حلم طويل. من أنت يا سيدتى؟ وما الذى جاء بى إلى هنا؟ والأغرب أنه لا يذكر متى عرفها؟ ولا متى جلس بين يديها؟ وفى أى ظروف

 

انتفض مأخوذا وكأنه يفيق من حلم طويل. وللحظة لم يصدق ما رأى. «مستكة» رسمت وجه الساحرة بإصرار غريب. وكأنها تتوسل إليه أن يحررها من السحر الأسود، وتأمره أن يقتلها، يقتل الساحرة.

 

ولمعت فى عينيه نظرة غريبة أدركت منها أنه استفاق. وامتدت يداه إلى عنقها لتطوقاه، وفجأة تقوضت القامة الفارهة، وراحت ملامحها تذوب.

 

وسرعان ما اختفت ملامح الغرفة ووجد نفسه وسط الخلاء العظيم.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.