أيمن الجندى يكتب | مشاهدات

أيمن الجندى يكتب | مشاهدات

د.-أيمن-الجندى1

كنا رفيقى سفر. ولم يبد لى من أحواله أنه يملك ملكات روحية لولا أننا شاهدنا أحد المشعوذين يأتى بأعاجيب من خفة اليد فوق قدرات البشر. شاهدها بهدوء دون أن يشاركنى حماستى.

 

 

قال لى مبتسما: «أما فكرت أن داخلك من القدرات الروحية ما هو أكثر بكثير!». وحين أبديت شكا. أمسك بكوب من الخزف. ثم طلب منى أن أضع يدى فوق يده، وأغمض عينى وأتأمل. فى البدء لم أشعر إلا ببرودة يده، ثم شعرت بأننى أدخل فى غمامة وتنتابنى رؤى. وأشاهد وجهاً لم أشاهده من قبل فى حياتى. ارتعدت فتوقفت المشاهدة. قال هامسا: «هل رأيته؟». أومأت فى ذهول. قال: «ربما هو صانع الكوب. وربما أمسك به يوما ما، ألم تفكر أننا حين نلمس الأشياء لا نتركها كما كانت، وإنما نودع فيها بعض طاقتنا الروحية».

 

 

ولم أفهم بالطبع، وطلبت منه أن يحكى قصته. وفى سفرنا الطويل الذى استغرق معظم الليل قال ما يلى: «اكتسبت هذه الخاصية أو ربما كانت موجودة دائما وكل ما هناك أننى اكتشفتها، حين هجرت المدينة وعشت لشهر كامل منفرداً فوق الجبل».

 

 

كنت فى حالة غربة كاملة. عاجزاً عن تفسير العالم، وعاجزاً عن الصلح بما نفسى، وشعرت بأننى أنزلق فى طريق وعر إلى الجنون أو الاكتئاب، وقتها أحسست بحاجتى إلى الانفراد بعيداً عن صخب المدينة والعلاقات المعوقة. استأجرت بيتاً بسيطاً فوق الجبل عند تخوم الصحراء. البيت كان بسيطاً وبدوياً وخالياً من الأثاث. مجرد وسادة على الأرض وزير ممتلئ بالماء. لا ساتر يحجبنى عن نجوم الليل وهواء الصحراء.

 

 

كنت متعباً وأنتظر بامتثال خاشع يد الرحمة الإلهية تربت على رأسى وتأسو جراحى. لأيام طويلة عشت وحيداً، أنا والجبل، سابحاً فى ضوء النجوم الخافت، تلاطفنى نسمات الخريف الباردة، مترع الصدر بأصداء الأناشيد. ملقياً بتاريخى كله من النافذة، متحرراً من ذكريات الماضى التعيس.

 

 

وجاءت ليلة الانعتاق! كنت جالساً وحدى تحت النجوم الزاهرة. وسمعت مناديا يقول لى: «ذب فى قطرة الندى. امتزج بالكون ذاته. التحم بالشهب والسُدُم. درْ مع الإلكترونات. لب نداء القوى الغامضة. تسامح مع طبائع الأشياء. أنت النور وأنت النار. وأنت الداء وأنت الدواء. وأنت الزمن والأبدية. وأنت الماء وأنت النار».

 

 

لم أكن أصغى بأذنى، بل بمسام صدرى العارى الذى أواجه به هواء الليل، وأحسست برغبة عارمة أن أنخرط فى الصلاة. لحظة أن ألصقت جبينى وجدتنى فى قلب قرية آسيوية، وشاهدت رجلا بديناً ذا ملامح آسيوية، وهو يغزل السجادة. كان يرتدى تنورة وقميصاً زاهياً لا يناسب عمره، وبرغم ملامحه التى بدت لى طفولية فقد انتشر الشعر الأبيض على فوديه. انفصلت عن عالمى تماماً، عن ذاتى وكينونتى، ووجدتنى مطبوعاً بهذا الرجل الآسيوى، وأعرف كل شىء عن ماضيه وأحلامه، ثم انقطعت الرؤيا فجأة ووجدتنى أعود إلى الصحراء.

 

 

………….

 

 

ونظرت إلى جارى فى دهشة. فلم أدر هل هو جاد أم يمزح. تابع قائلا:

 

 

«أنهيت الصلاة وأنا ألهث. لأول مرة أمسك فى يدى دليلاً ملموساً على العمق الروحى لهذا الكون الأصم. وأغرورقت عيناى وأنا أفكر! أتراها الخلوة هى التى جلت باطنى؟ أم يكفى التوق ولو كنت فى قلب المدينة؟».

 

 

ونظر نحوى طويلاً ثم همس: «من أعماق الظلمات يومض شعاع! وفى قلب الوحشة تسطع إشراقة. فقط لو آمنت أنك لست وحدك فى الكون! وأن ورائك قلب صديق».

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.