أيمن الجندى يكتب | مصطفى

أيمن الجندى يكتب | مصطفى

د.-أيمن-الجندى1

تعجبني قصص الدكتور إبرام فراج الإنسانية، مثل هذه القصة التي جاءتنى في الرسالة التالية:

قرب محطة السكة الحديد يجلس ذلك الفتى قليل الوزن (والبخت أيضا)، مرتديا نظارة سميكة تغطى معظم تفاصيل وجهه الدقيق. ناشراً أمامه عدداً من أكياس المناديل. طامعاً في أن يجمع من المال ما يكفى لوجبة عشاء.

واقترب منه شاب ناداه متبسطا: «ممكن كيس مناديل يا عسل». رد في هدوء لا يناسب عمره: «خد يا عم». ثم بنظرة ثاقبة: «بس أنا مش عسل على فكرة». هكذا رفض هذه المداعبة في جديه تامة. رد الشاب بابتسامة متسامحة: «طيب يا عم ما تزقش. وحقك على لو كنت زعلتك».

ناوله كيس المناديل قائلا بلهجة تحد: «ب 75 قرش على فكرة». قال: «خد جنيه يا عم. بس ما تزعلش منى». تناول الجنيه وهو يهز كتفيه مبديا عدم اكتراثه.

شعر برثاء من أجل هذا الصبى. وقرر أن يبدأ مفاوضات من أجل استعادة البسمة التي اختفت من هذا الوجه الطفولى المفعم باللماضة. «طيب ممكن أعرف اسمك إيه؟».

بنظرة من أعلى عدسات النظارة: «إنت هتصاحبنى ولا أيه!». قال في صبر: «ده لو مايضايقكش يعنى». رد «مصطفى يا سيدى». ثم بنظرة طويله تساءل: «واسم الكريم إيه بقى؟». قال:«جرجس»، وهو يمد يده ليصافحه.

مد مصطفى يده بعد أن زالت التكشيرة قليلا عن وجهه.

«ماشى يا عم مصطفى».. ثم مداعباً: «بس إنت غلباوى يعنى! إنت في سنة كام؟».

أشار مصطفى بثلاثة أصابع في وجه صديقه الجديد. ثم موضحاً«تالتة ابتدائى يعنى.. لحسن يكون مخك تخين ولا حاجة».

وفى محاولة منه ليجاريه أجاب «كويس إنك وضحت لى عشان أنا افتكرتك في تالته ثانوى». قال متلامضا: «مش حلوة على فكرة.. وما تحاولش تهزر تانى قدام الناس عشان محدش يحرجك».

وبعدين بقى! هكذا خاطب جرجس نفسه. لقد شعر بالإحراج فعلا.. وأنه أمام نوع جديد من الأطفال الذين دخلوا معترك الحياة مبكراً.. فضاعت طفولتهم سريعا وسط كم من الخبرات التي لا ضابط لها.. وقرر الانسحاب من هذه المواجهة غير المتكافئة.

«طيب شكرا ع المناديل يا درش.. تعوز حاجه؟». رد في تحد: «يعنى لو قلتلك ع اللى عايزه هاتجيبلي!».

«لو أقدر عليه.. أكيد حاجيبهولك». رد بلهجة زعل: «ما أنا عارف الإجابة دى. باسمعها كتير».

بتلعثم قال: «وعد منى إنى هاجيبلك اللى إنت عايزه». ونزل على ركبته ورفع رأس مصطفى الذي تبللت عيناه بالدموع. قال بصوت باكٍ: «نفسى ألعب البلاى استيشن اللى بيحكوا عليه». فوجئ برده. شعر كأن لطمة عنيفة قد نالت منه وأفقدته توازنه. وكأنه استعاد طفولته فجأة سرسع صوته: «ده بيقولوا إنك ممكن تلعب بالزمالك ضد الأهلى.. والزمالك ممكن يفوز كمانَ».

لم يستطع الصمود كثيراً أمام روعة هذه التلقائية. تملكته الرحمة. طبع قبلة على ذلك الرأس الصغير. وأمسك يده بقوة قائلاً: «طيب يلا يا درش». «يلا فين يا عم»، هكذا انتهره برقة. رد: «يلا نلعب بلاى استيشن».

وارتسمت بسمة، أبرزت- ولأول مرة- جمال ملامحه.. ومضيا في الطريق معا. يدا بيد إلى أقرب محل كمبيوتر.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المصدر:المصرى اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.