أيمن الجندى يكتب | مملكة الأحلام

أيمن الجندى يكتب | مملكة الأحلام

د.-أيمن-الجندى1

قالت مجيدة: «منذ بدء العالم كان هناك عالمان منفصلان. عالم الواقع ومملكة الأحلام. كلتاهما ظلتا عامرة بأهلها، تحكمها قوانينها الخاصة وزمنها المختلف. لكن، ولأن الحلم أجمل كثيراً من الواقع، فقد اعتدنا أن يزورنا سكان الواقع من آن لآخر. لكن ذلك لا يتم بانتظام».

لم يكن أكثر من مراهق حينما شاهدها للمرة الأولى، أما هى فقد استوت أنوثة وشباباً وفتنة. عيناها ليل متلألئ النجوم. وشفتاها حساستان كأنما خلقتا للتقبيل. وكانت خصلات شعرها الحريرى الأسود تحيط بوجهها كما يحيط الإطار بلوحة ثمينة. التفتت إليه بابتسامة تقطر محبة، وكأنها تناديه.

وفجأة استيقظ من النوم. وبرزت معالم الحجرة المألوفة. وظل عاجزاً عن استيعاب أنه كان يحلم! ولعدة أيام تالية ظل يستعيد كل ملمح من ملامحها رافضاً بعناد أن يصدق أنها غير موجودة.

المشاهدة الثانية جاءت بعد عشرة أعوام. قالت له بعذوبة: «كبرت عن آخر مرة رأيتك فيها». وأدهشه أنها تذكرته. قال مجازفاً: «هل تحبيننى؟». فأجالت فى ملامح وجهه عينين باسمتين مليئتين بالمحبة: «بالتأكيد».

قال متعجلاً وقد أحس أن وجوده يتلاشى: «ما اسمك؟». قالت فى عذوبة: «مجيدة». شعر بقدميه تنسحبان بسرعة هائلة، قال فى هلع متزايد: «إننى أبتعد». خفت صوتها بعيداً وهى تناديه: «عد بسرعة».

اعتدل فى فراشه منطبعاً بأثر الحلم. حلم له قوة الحقيقة وكثافتها! حلم يملأ قلبه بالرحيق العذب ويظل مطبوعاً بفتنتها! إن يكن هذا حلماً فما هو الوجود؟.

المشاهدة الثالثة جاءت وهو على أعتاب الأربعين. تأوه متوجعاً حين رآها. كانت كما هى، لم ينل منها العمر ولا جرحتها السنون. عسير عليه أن يصدق أنها ليست حقيقية. قال فى حزن: «أسوأ ما فى الأحلام أنها تنتهى بيقظة». تطلعت إليه باهتمام وابتسمت. قال فى لهفة: «هل أنت حقيقية؟ أعنى لماذا لم تكبر؟ أقصد من أنتِ وأين أنتِ؟». وضعت إصبعها على فمه ليسكت. قال معتذراً: «أخشى أن يهيمن الوجود الآخر الغليظ».

قالت فى رقة: «أنت فى مملكة الحلم. حيث تزورنا من آن لآخر». تساءل فى لهفة: «كيف؟». قالت: «توجد أنفاق بين العالمين. ولكن الانتقال لا يحدث إلا حينما يلتقى الممران بمحض الصدفة. وقتها فقط تستطيع أن تأتى». قال فى عجب: «لكنه يحدث بعد زمن طويل». قالت فى أسف: «تذكر أن لكلا العالمين مداراً متبايناً وسرعة مختلفة، لذلك يحدث تلاقى الأنفاق فى مقام الندرة». قال فى أمل: «يمكننى البقاء هنا». قالت فى دهشة: «وماذا عن عالمك الآخر؟». قال فى تصميم: «لا شىء يهمنى فيه». قالت فى تردد: «لا تتخذ قرارك بسرعة». قال فى حزن: «لا أنتمى إلى هناك»، ثم أردف متوسلاً: «لا تضيعى الوقت أرجوك». قالت فى تفكير: «وددت هذا ولكنه مستحيل طالما ظل جسدك هناك». قال: «يمكننا أن نحمل الجسد معاً إلى هنا. فلنسرع قبل أن يبتعد الممران ويمتصنى الواقع من جديد».

ولم تتردد. هزت رأسها موافقة. وبالفعل تشابكت أيديهما، وراحا يركضان فى الممر المتصل. ولأول مرة يشاهد نفسه وهو نائم. اقتربت من وجهه المُتعب المفعم بالأسى وطبعت قبلة على شفتيه. وفى صمت الممر الملىء بالألحان الباطنية، شرعا يحملان الجسد المثقل بالحزن، الذى راح يخف ويشف، كلما اقترب من مملكة الأحلام.

 

 

 

المصدر:المصرى اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.