أيمن الجندى يكتب | هناء

أيمن الجندى يكتب | هناء

د.-أيمن-الجندى1

ألقت نظرة مستطلعة شاملة، المقاعد فارغة، وحديقة النادى شبه خالية. وبرغم الشمس الساطعة فقد هبت ريح باردة جعلتها ترتجف. ضمت طرفى الشال حول كتفيها. أليس عجيبا أن تتجاور الشمس مع الصقيع. فهل كفت الشمس عن أن تمنح الدفء، أم أن الشمس صارت هى الأخرى مزيفة؟ يداها وقدماها باردة حد الصقيع، وقلبها كذلك. لماذا جاءت لتجلس وحدها؟ اتخذت قرارها بالأمس بعد ليلة طويلة مُعذبة. جدران البيت الخاوى شبيهة بقبر. والاكتئاب يزحف كرياح صفراء مُسممة. قالت لنفسها فى يأس: «سأذهب إلى حديقة النادى غدا. وربما ألاقى صديقة من الزمان الأول».

لا توجد صديقات بالمعنى الحرفى للكلمة، ولكن توجد رفيقات يستعن على الأيام بالسمر. لماذا لم يأت النادل لتطلب منه مشروبا ساخنا، لعله يبعث الدفء فى أوصالها. النادل بعيد يرمق المقاعد الشاغرة بحسرة ولا يقترب. وكأن ندرة الزبائن فى هذا الصقيع جعلته عازفا عن الخدمة. عجيبة تلك الحياة حقا. لا تعرف الوسط. إما أن تزدحم بالأحداث حتى لا نكاد نلتقط أنفاسنا أو تخلو تماما. منذ سنوات ليست بالقليلة كانت تشكو من طلبات الأبناء ومشاغل الحياة، وحين تختلس ساعة لنفسها كانت تشعر بأنها امتلكت العالم. واليوم بعد موت الزوج وتفرق الأبناء فرغ البيت من الأنفاس حتى لم تعد هناك نسمة واحدة. النهار يمتد طويلا كأن الشمس تملك كل وقت العالم. وحين يأتى الليل بأشباحه القديمة لا يريد أن ينقضى. الهاتف كف عن الرنين إلا للمجاملات الضرورية. وعقول الأبناء مشغولة بدنياهم الجديدة. ومنذ مات زوجها صار الكلام عملة نادرة. والوحدة! آه من الوحدة! ومن خريف العمر وبرودة الأوصال!

وفجأة، وبينما هى فى لحنها الباطنى المنفرد، رأت سيدة تجلس وحيدة. الوجه مألوف ولكنها لا تذكر الاسم. التقت العينان فعرفتها على الفور. إنها (هناء) صديقتها القديمة. منذ أكثر من عشرين عاما لم ترها. سمعت أنها رحلت خارج البلاد مع زوجها. واستراحت للنبأ فى وقته. كانت العلاقة بينهما فاترة بعد مشادة لم تعد تتذكر سببها. صادقتها فى المدرسة الثانوية، ثم تفرقتا فى الجامعة وإن لم تنقطع الصلة. ولطالما ذهبتا إلى السينما معا وسط ثلة من الصديقات وكن يضحكن ببهجة. وحضرت كل منهما زفاف الأخرى. وتبادلتا الهدايا عند ولادة الأبناء. الصلة لم تكن سطحية فلماذا انقطعت بهذه السهولة؟ تذكر أنها كانت لا مبالية، وفى داخلها شىء من الغيرة مما ينتاب النساء. تذكر أنها افتعلت مشاجرة معها حتى تنهى العلاقة، واستراحت بعدها. لم تكن هناء أكثر من درهم فى صرة مليئة بالدنانير الذهبية. وكان أولادها يملأون حياتها بالكامل. لم تحسب حسابا ليوم تمتد فيه رحلة الشمس أكثر من اللازم.

شرعت تتأملها فى اهتمام. هل تعيد الصلة القديمة؟ وهل تسمح لها هناء بذلك؟ هل تغفر الكلمات الجارحة التى لم تكن تستحقها بحال؟ أليس محزنا أننا فى غمرة الانشغال بالحياة نهدر أشياءنا الثمينة؟ والمدهش أنها نسيت تماما كل ضغائن الماضى، ولم تعد تذكر سوى أنها وحيدة وتحتاج إلى رفقة وتتسول الاهتمام.

نهضت فى بطء وقد حزمت أمرها. فلتجرب حظها. ستتظاهر أنها تمر مصادفة بجوار المائدة، لعل العيون تتلاقى والقلوب تتصل. ولعل كلمة عابرة تصل ما انقطع من الود القديم.

 

 

 

 

المصدر:المصرى اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.