أيمن الجندى يكتب | وداعاً يا عطيات

أيمن الجندى يكتب | وداعاً يا عطيات

د.-أيمن-الجندى1

سعداوى تأخر عن الموعد، برغم أنه موعد الانتحار. ستُغرق عطيات نفسها فى النيل، مكان لقائهما المفضل، هى لا تعرف العوم، وكذلك سعداوى على الأرجح. عطيات فى السابعة عشرة من عمرها، وبالتأكيد ليست ناضجة لاتخاذ قرار كهذا. لكن علقة الأمس من أخيها الأكبر محمود، الوحيد الذى كان يحسن معاملتها فى العائلة، ولكنه ضربها بعد أن رآها تسير مع سعداوى، حسمت الأمر. أصغى إليها سعداوى فى صمت، وتظاهر بالتعاطف محاولًا أن يضمها، لكنها أبعدت نفسها عنه، ونظرت إليه بعينيها الواسعتين المبللتين، وأخبرته بأنها ستنتحر ولتشعر أمها بالذنب على معاملتها السيئة! أما هو إن كان يحبها حقا فعليه أن ينتحر معها، ليجتمعا بعد الموت فى عالم آخر، لا يشتمل على كل هذا الشقاء!

للجينات ألعابها المدهشة! من كان يصدق أن عم سرور بعينيه الضيقتين وملامحه المتنافرة، وزوجته سنية برقبتها الغليظة و(لُغدها) المتهدل يمكنهما إنجاب هذه الأعجوبة التى تُدعى «عطيات». ببشرتها الخمرية وعينيها السوداوين والغمازتين- تبارك الخلاق- على وجنتيها. وآه لو شاهدت عطيات وهى تضحك فتضحك الدنيا بأسرها. وآه لو وُلدت عطيات وسط عائلة ميسورة الحال تعلمها آداب السلوك، أو كانت تملك ثيابا غير التى تبتاعها لها أمها من أرخص الأسواق الشعبية، إذاً لأصبحت عنوانا للجمال الشرقى ولوضعوا صورتها على طوابع البريد.

نظرت عطيات حولها فى قلق. لقد تأخر سعداوى فهل تراه عدل عن الانتحار؟! لا تنكر أنها تتمنى التراجع! لكنها استعادت المعاملة السيئة التى تتلقاها فى البيت، فشرعت فى البكاء وقد بدت لها الدنيا أضيق من ثقب إبرة. سعداوى أيها الأنانى! لماذا لم تأت؟ بالأمس راحا يتناقشان مناقشة مطولة عن وسائل الانتحار! وكأى مصرية صميمة فإنها اقترحت أن تحرق نفسها بالجاز! لكنه رفض فى هلع. واقترح أن يطعنها بمطواته الرائعة ثم يطعن نفسه، ورغم أنها رفضت فى إصرار، فإنه راح يتأمل المطواة فى إعجاب.

سعداوى كان الوحيد من الأولاد الصيع الذى جرؤ على الاقتراب من عطيات. بصراحة كل الشباب كانوا يتمنونها! لكن حسنها أخافهم فاكتفوا بالمعاكسات البذيئة. هو وحده الذى أدرك بالفطرة أنه يجب أن يقدم الحنان أولًا ليحصل على القبلات. والولد الذى يملأ حب الشباب وجهه، ويفرد شعره بالسشوار. ويحب التأنق، ردىء الذوق جدا، لكن من قال إن أحدا هنا يفهم فى الموضة. لذلك كان حين يرتدى السترة المقلمة على ربطة العنق الحمراء فإنه كان يبدو فى عين عطيات، وهذا هو المهم، فى منتهى الأناقة.

ظهر سعداوى أخيرا فتنفست عطيات الصعداء. بالأمس اتفقا على أن ينتحرا فى النيل! وفى المنحدر الذى يفضى إلى النيل مباشرة، بعيدا عن الأعين، خلع سعداوى ملابسه فأشاحت عطيات بنظرها. طلب منها ضاحكا أن تخلع ثيابه مثله لكنها لكمته فى دلال. للحظة بدا المشهد أقرب إلى البورنو منه إلى الانتحار. تمنت عطيات التراجع لكن سعداوى أمسك بيدها وقفزا فى النيل! غطست عطيات وقبت، ثم غطست وقبت! ورغم الماء الذى ابتلعته فإنها شاهدت سعداوى الندل وهو يسبح ببراعة. وفى اللحظة الأخيرة أنقذها أحد المارة الذين سمعوا صرخاتها وجذبها إلى الشاطئ، حيث راحت تسعل وتسب. سعداوى أيها الوغد! لقد خدعها وأوهمها أنه لا يجيد السباحة رغم أنه يسبح كسمكة. سعداوى بالفعل يحبها ولكن إذا وصل الأمر إلى الانتحار وهذا الكلام الفارغ فوداعاً يا عطيات!

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المصدر:الوطن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.