أيمن الجندى يكتب | يا فرتكوس عودى بالفلوس

أيمن الجندى يكتب | يا فرتكوس عودى بالفلوس

د.-أيمن-الجندى1

أستاذ سمير يحب النقود، ولكنه أيضا يحب المشتروات. هذه هى مشكلته الدائمة. الصراع المزمن بين لذة الاحتفاظ بالأوراق النقدية اللطيفة، ذات الثقل والدفء والدسامة، وبين متعة التسوق، خصوصا حينما تلوح فرص يعرف بعين الخبير أنها حقيقية. خذ عندك مثلا ذلك الصباح الربيعى، حيث خرج أستاذ سمير يسير فى الشارع الهوينا، وقد استجابت نفسه لاعتدال الجو وبهاء الطبيعة. وفى الطريق لاحت له اللافتة السحرية، التى تسبب له المتعة والمشاكل، معلقة على متجر كبير مشهور بتخفيضاته السنوية، فتباطأت خطواته وفقد توازنه تدريجيا.

كان بوسعه أن يركب المصعد، لكنه اختار أن يصعد الدرج بخطوات مذنبة مترددة ليفسح مجالا أوسع لأفكاره الداخلية. ليته كان مثل «عم دهب»، الذى يحتقر كل من ينفق نقوده من أجل الأيس كريم والبيتزا والشطائر الساخنة، ويحب نقوده حبا عذريا رومانسيا. المشكلة أنه يحب النقود مثله، ولكنه يحب أيضا الأيس كريم والبيتزا والشطائر الساخنة. من هنا ينشأ الصراع وتتولد الدراما فى النفس البشرية.

اندفع وسط الجموع الهادرة التى تملّكها مس من الجنون بسبب التخفيضات الهائلة. وانشغل بمراقبة وجوه الأزواج التعسة الذين سيدفعون الأثمان، ووجوه النساء الجشعة التى تجرف المشتروات، ووجوه الأطفال التى تكدس الأشياء بغير اكتراث، ودون كلمة شكر للأب المسكين الذى يدفع أثمان أشياء لا تهمه ولا يعتبرها ضرورية.

وتمنى داخله لو عاد طفلا يشترى على حساب أبيه، أو يجد من يتبناه لسبب مجهول ويكرس له حياته، فيشترى ما يشاء على حسابه. وهو مستعد، مقابل ذلك، أن يكتب له قصائد المديح وينشد له الأغانى.

وبينما هو فى أفكاره الداخلية المحمومة إذ شاهد سترة زرقاء عليها تخفيض مهول. ثمنها قبل التخفيض خمسائة جنيه، لكنها الآن بمائة جنيه كونها القطعة الأخيرة. وهكذا اشتراها وقلبه موزع بين الحزن والسرور منطلقا إلى الشارع.

لم يعد الآن قادرا على الإحساس ببهاء الربيع ولا بروعة الحياة. وصارح نفسه بوضوح بأن الحل المثالى أن يشترى ما يشاء، بشرط أن تعود له النقود بتعويذة سحرية.

وتملكه السرور حين خطرت بباله هذه الفكرة الخيالية التى تؤمّن له الجمع بين متعة الشراء ولذة الاحتفاظ بالنقود. ولكن من قال إنها فكرة خيالية؟ وكيف يجزم بذلك دون تجربة؟ إنه يؤمن بأن السحر موجود، وما بينه وبين عودة النقود إلا أن يعرف التعويذة الصحيحة. وقال عفو الخاطر بصوت مسموع: «يا فرتكوس عودى بالفلوس»، فنظر إليه أحد المارة فى دهشة. لماذا قال «فرتكوس»؟ أهى تعويذة من وحى الخاطر أم أن ساحرة طيبة همست له بالتعويذة الصحيحة؟

وتحسس جيبه فلم يجد المائة جنيه للأسف. وبينما هو يفكر فى تجربة تعويذات أخرى اصطدم بجاره الأستاذ محفوظ، منافسه فى البخل وحب المال، والذى أظهر إعجابا شديدا بالسترة الزرقاء، وأبدى استعدادا لشرائها، خصوصا عندما علم أنها القطعة الأخيرة. وتم التبادل واستعاد الأستاذ سمير المائة جنيه، ولكنه لاحظ وهو يعطيه النقود أنه يتمتم بشىء ما.

ومضى كل منهما فى سبيله. وفجأة رأى الأستاذ سمير المائة جنيه وهى تخرج من جيبه، ثم تطير فى الهواء رويدا، كأن لها جناحين، ذاهبة ببطء إلى أستاذ محفوظ الذى توقف ليتلقاها فى هدوء ويدسها فى جيبه. ونظر إليه الأستاذ سمير مذهولا وقد أدرك أن منافسه اللدود قد استطاع الوصول للتعويذة السحرية الصحيحة.

 

 

 

 

 

المصدر:المصرى اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.