أيمن الجندى يكتب | ٣٥ إتش

أيمن الجندى يكتب | ٣٥ إتش

د.-أيمن-الجندى1

إصراره على الرفض كان ملفتا للانتباه. ما الذى يدفعه إلى الإصرار على الجلوس فى هذا المقعد بالذات. كانت الرحلة قد تأخرت ساعة عن موعد قيامها المقرر، والطائرة تجثم كوحش معدنى يوشك أن يبتلع الركاب. البعض أفندية، ومعظم المسافرين كانوا معتمرين يرتدون ثياب الإحرام البيضاء. وبرغم سفرهم بالطائرة تطبع تصرفاتهم النشأة الريفية. البسطاء الذين ادخروا القرش فوق القرش، بعد أن لفظتهم مملكة الأرض، على أمل أن تتسع لهم بوابة السماء.

على جانب الطائرة الأيسر، خلفى بالضبط يوجد مقعدان، احتلتهما أم وابنتها اللتان جلستا فى صمت. يبدو على ملامحهما القلق وقلة الحيلة. كان الركاب يتدافعون بحثا عن مقاعدهم، وأرفف الحقائب فوقنا مشرعة الأبواب. وفجأة وقف أمام الأم وابنتها رجل فى منتصف العمر، وطلب أن يجلس فى المقعد الذى تحتله البنت ويجاور النافذة. وكان صنيع الأم، كما هو متوقع، أن طلبت منه أن يبادلها المقعد، كى تجلس بجوار ابنتها. هذه الأمور تحدث كثيرا على الطائرة وتنتهى بالتوافق. بتهذيب حقيقى أو مصطنع يقبل الراكب مبادلة المقاعد، ولسان حاله يدعو أن تنتهى الرحلة على خير.

لكن الرجل أصر على الجلوس بمقعده. واستدعى المضيفة المتأنقة: «هذا المقعد لى ولا أنوى التنازل عنه، وأريد أن أجلس عليه الآن».

حاولت مضيفة الطائرة، المدربة على أمثال هذه المواقف، أن تنهى التبادل، لكن الرجل أصر، وتمسك بحقه القانونى فى الجلوس بمقعده. الأم انفلتت أعصابها وقالت إن ابنتها سوف تبكى إذا انفصلت عنها. وكأنما البنت التقطت الإشارة فشرعت فى البكاء بصوت رتيب أعطانى انطباعا بأنها خفيفة العقل.

وتدخل الركاب محاولين الوساطة. لكن الرجل أغمض عينيه فى زهد. وهنا استشاطوا غضبا. قال أحدهم «ما المشكلة فى تغيير المقعد؟». وقال آخر متهكما: «طلب رجل من جحا أن يعلمه الهيافة، فقال تعال فى الفارغة واتصدر!». ورفع الراكب حاجبه الأيمن وقال كلمته الخالدة: «المقعد لى وأنا أريده».

نظرت للوراء وشرعت أتأمله. وجهه يوحى بالغموض والثبات. وأعلنت المضيفة أنه ليس بمقدورها أن تحرم الراكب من حقه المكفول فى الحصول على مقعده.

(٣٥ إتش). ما سر اهتمامه بهذا المقعد؟ وعلام الإصرار؟ أليست المقاعد تستوى فيما بينها، خصوصا ورحلة الطائرة ساعة ونصف فقط! تبدت الدهشة على وجوه كل من تابعوا الحوار. وبدا الرجل متعنتا أكثر مما يحتمل الموقف. لا يوجد جهاز عصبى يتحمل مواجهة ركاب الطائرة بأسرها إلا لسبب جوهرى. قلبت المضيفة كفيها فى عجز، وأعلنت أنها ستستدعى قائد الطائرة.

للمرة الألف تكررت الحكاية. ٣٥ إتش هو مقعدى الذى لا أنوى أن أتنازل عنه. والطفلة التى تبين أن اسمها آمال مازالت تبكى. صرخت الأم فى لوعة أن تفريقها عن ابنتها حرام. وقال القائد للراكب فى رجاء: «اعتبره طلبا شخصيا. أرجوك أن تبادلها المقعد».

لكن لا وألف لا. المقعد لى. وأنا أحب نفسى بجنون. الأمر بدأ يتحول إلى كوميديا. شرعت أتأمله فى إعجاب. تمسكه بما يريد. قدرته على الثبات أمام العيون الفضولية. عدم اكتراثه باللعنات التى انصبت عليه. إن الرجل الذى يفرق أما عن ابنتها ضعيفة العقل لهو أسطورة من الأساطير. يستحق أن ننحنى له، وتلتهب الأكف من فرط التصفيق.

وكان الحل كما يلى: تنازلت عن مقعدى لصالح البنت، التى جلست أمام أمها، بينما جلس الرجل بجوار الأم، مزهوا بانتصاره الرخيص.

 

 

 

 

 

 

 

المصدر:المصرى اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.