أيمن الجندى يكتب | الحراك الاجتماعى

أيمن الجندى يكتب |  الحراك الاجتماعى

د.-أيمن-الجندى1

أسوأ ما فى قصة «حسن خضرة» التى نشرتها يوم السبت الماضى أنها كانت واقعية. لا شك أنها حكاية مؤلمة وتؤذى كل نفس حرة. أن تعرف أن إخوانك من بنى البشر عاشوا رحلة حياتهم على ظهر هذا الكوكب وهم يكابدون الحرمان. والأسوأ أن يكون هذا الفقر المدقع، ليس بسبب نقص الموارد، وإنما لانتفاء عدالة التوزيع. لكن ربما نجد بعض العزاء فى حتمية حدوث «الحراك الاجتماعى»، وهو انتقال الفرد من مستوى اجتماعى اقتصادى معين إلى مستوى آخر. صحيح أن هذا الحراك يحدث ببطء ويستغرق فى العادة أجيالا، ولكنه يحدث على كل حال.

هذه المرأة البائسة التى تبيع الفجل على ناصية الشارع أنت لا تدرى أن حفيدها القادم بعد ثلاثة أجيال سيكون أغنى وأرقى من أحفاد الطبيب المشهور الذى يقطن هذه العمارة. هى الآن طعامها الخبز اليابس، وشرابها الماء الملوث. ولباسها جلباب ممزق فى عدة مواضع. لكن هذه المرأة البائسة، ابنة طبقتها بالكامل، التى لا تعرف آداب المائدة، ولا تستخدم الشوك والسكين، أنجبت سبعة أبناء، سوف يكمل أحدهم دراسته المتوسطة. هكذا يبدأ الحراك الاجتماعى ببطء. حفيدها سوف يجتهد أكثر من أبيه ويصبح خريجا جامعيا. ولسوف ينجب فيما بعد ابنا نجيبا ينال من المكانة والثروة ما لو عرفته جدته بائعة الفجل لأُغشى عليها.

وفى الوقت نفسه، سوف تنحدر ذرية هذا الطبيب المشهور رويدا. ولسوف تتفتت الثروة التى جمعها بكده واجتهاده. ثم تصل الذرية بعد ثلاثة أجيال إلى المنحدر، لتبدأ الصعود من جديد.

لا شىء يبقى على حاله، ما بين صعود وهبوط. يتعاقب الليل والنهار، والصيف والشتاء، واليسر والعسر، والموت والحياة، والقوة والضعف، وأهازيج النصر وصرخات الهزيمة. قاع البحر سيصبح صحراء، والصحراء ستمسى خضراء، ثم تعود جرداء، ولا يبقى على حاله سوى ذى الجلال والإكرام.

يحدث الحراك الاجتماعى فى الدنيا، وسيحدث أيضا فى الآخرة. سوف تختلف مصائر البشر بشكل حاد ونتائج فادحة. وقتها سنكتشف أن حياتنا على الأرض تُعتبر لا شىء بالمقارنة إلى الحياة الأبدية. وقتها سننسى أن «حسن خضرة» كان مُهمشا فى الدنيا، حينما يصبح بإذن الله وجيها فى الآخرة. وحين تشاهد قصوره المبنية من لؤلؤ مجوف، وأنهار اللبن والخمر والعسل تتدفق بلا انقطاع بين أشجار الفاكهة، والتربة التى هى لبنة من ذهب ولبنة من فضة، وثيابه الحرير وأساوره الماس، من سيتذكر وقتها أنه عامل التراحيل الذى تقتحمه العين وينادونه من فرط هوانه باسم أمه؟

فى الآخرة سيحدث انقلاب شامل عظيم الأثر. وبعض السادة الذين نرتجف منهم الآن ولا نجرؤ على نطق أسمائهم ربما تكون منازلهم فى قاع جهنم. حيث السلاسل والأغلال، والإهانة والإذلال، وسرابيل من نار وقطران تغشى وجوههم.

نحن بحاجة ماسة أن نتذكر أن أوضاعنا الطبقية سوف تتغير بشكل حاد فى الآخرة. وربما كان خادمك فى الدنيا هو سيدك فى الآخرة. ولعل حارس البناية التى تقطن فيها سيكون صاحب القصر فى الجنة. ولعل أصحاب السلطة الدنيوية من الضباط والقضاة والأطباء فى المستشفيات الحكومية وغيرهم من المهن التى تتعامل مع المستضعفين والفقراء لا ينسون هذه الحقيقة. ولعلنى أنا الآخر بحاجة أن أذكّر نفسى بها. كى لا أكون، والعياذ بالله، من الذين يأمرون الناس بالمعروف وينسون أنفسهم.

اللهم سلّم سلّم.

 

 

 

المصدر:المصرى اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.