أيمن الجندي يكتب | الذى يعرف الخير والشر

أيمن الجندي يكتب | الذى يعرف الخير والشر

د.-أيمن-الجندى1

الخير والشر فى كثير من الأحيان كانت تصعب التفرقة بينهما. ليس فقط بتلبيس إبليس، ولكن لعدم وجود فاصل واضح بين الخطأ والصواب فى معظم الأمور الملتبسة. وكثيرا ما تمنى المصلحون لو كانت هناك حاسة تستطيع أن تميز الخير من الشر، كما تميز حاسة البصر بين النور والظلام، ويفرق اللسان بين الملح والسكر! ولم يخطر على بال أحد أن ما يعتبرونه خيالا يوشك اليوم أن يتحقق!

ولدته أمه أعمى وأصم. ولسبب ما اعتبر أبوه أن أمه خدعته بشكل ما. وبدون أن يتردد ترك البيت دون أن يبالى حتى بطلاقها، مسافرا للعمل بالخارج.

المحنة أعادت تشكيلها من جديد، وأبرزت أفضل خصالها التى لم تكن تدرى حتى بوجودها. بعد الصدمة الأولى قررت أن تكرس حياتها لطفلها الوحيد، وأن تبذل كل الجهد لتكون جسره نحو العالم. جسر تبنيه بالصبر والحب والتلامس.

وهكذا نما الطفل الذى لم يبصر سوى الظلام، ولا عرف بهجة الألوان. ولا سمع تدليل أمه التى لم تكف عن مناجاته برغم يقينها أنه لا يسمعها. كان التلامس الرحيم هو جسر التواصل بينهما. وما لبث أن صار التلامس فى حد ذاته لغة لها مفرداتها. لمسة حنان ولمسة توجيه ولمسة حزم ولمسة تشجيع ولمسة اهتمام. كانت تجاهد جهاد الأبطال كى تفتح له ممرا مع هذا العالم الأصم الذى يحيط به فى كل اتجاه. وبدا أن الطفل يتمتع بذكاء فطرى وقدرة على التمييز بين اللمسات المختلفة. ولم يخطر على بالها، فى أقصى لحظات تفاؤلها، أن حاسة جديدة لطالما حلم البشر باقتنائها توشك أن تعلن عن وجودها.

الحواس الخمسة المعروفة هى السمع والبصر والشم واللمس والتذوق. فى البدء فسرت الأم أمور طفلها العجيبة بأنه يتمتع بشفافية غير معهودة. لكنها لم تجرؤ أن تسميها «حاسة». خذ عندك مثلا: كانت الأم تنتابها نوبات من الحزن الشديد المشوب بتسليم للأقدار، وحينئذ لم يكن طفلها يبكى. لكن بمجرد أن ينتابها السخط على أقدارها، وتردد فى عقلها كلمات التجديف والاعتراض على المشيئة كان الطفل ينخرط فى البكاء الحزين، ويبدو منزعجا! كيف استطاع الأعمى الأصم، وهو فى غرفة أخرى، أن يفرق بين الشجن والسخط؟ هذه واحدة. ولماذا حين دخل جارها المنزل حاملا الشر، وحاول إغواءها، فإن الطفل صرخ فى غرفته فجأة، بينما ظل ساكنا راضيا مع جار خجول يحبها فى صمت، ويقضى حوائجها؟!

تكرار الحوادث أكد أن الأمر أكبر من مجرد شفافية. لديه حاسة ما تفرق بين الشرير والطيب. فبينما يهتاج مع الأول فإنه يسكن مع الثانى. هكذا انتشر الخبر، وأصبح الطفل محط الاهتمام والتساؤل. هل هى حاسة جديدة تُوشك أن تُضاف للحواس الخمس المعروفة؟ وبفرض أن الطفل أدرك البلوغ فهل سيورث هذه الحاسة الجديدة لأبنائه، وتُضاف بالتدريج إلى رصيد البشرية؟

لم تفطن الأم وقتها أن الأمر أخطر من مجرد أعجوبة. إن النظام العالمى بأسره يوشك أن يتداعى. هؤلاء السياسيون الذين بضاعتهم خداع الشعب. وحتى الناس العاديون من ذا الذى يريد أن يعرف أحد حقيقته؟ خصوصية البشر توشك أن تتلاشى. وهذا الطفل الذى يميز بين الخير والشر ينبغى الخلاص منه قبل أن يمرر حاسته غير المرغوب بها إلى الأجيال القادمة.

وكانت الرصاصة على وشك الانطلاق لإنهاء الأمر بأرخص كلفة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المصدر:المصرى اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.