أيمن الجندي يكتب | النافذة المسحورة

أيمن الجندي يكتب | النافذة المسحورة

د.-أيمن-الجندى1

قادته قدماه إلى الحى القديم. خمسون عاما وأكثر لم يفكر فى زيارته برغم أنه لم يبرح ذاكرته يوما. بيته القديم سيلوح عند المنعطف. يحتاج إلى معجزة كى يجده كما هو، لم يتم هدمه وإعادة بنائه. لكن المعجزات تحدث كثيرا.. ولديه الدليل.

حمداً لله. البيت كما هو. البيت الذى لم يقم فيه أكثر من عامين وبرغم ذلك يظهر كثيرا فى أحلامه. ها هى شرفة غرفته القديمة تعصمه من الطوفان وكأنها سفينة نوح! والنافذة! ماذا عن النافذة؟ أيراها الآن أم لن يراها؟ مراوغة كالعهد بها؟ تلوح وتختفى حسب قواعد خاصة بها؟ وقوانين غامضة فوق إدراكه وأحاجى وألغاز.

ما زال يذكر ذلك المساء منذ خمسين عاما، حين أخبره والده بأنهم سينتقلون فى الغد إلى مدينة جديدة ليستلم عمله الجديد. وبرغم أنه حاول أن يكبت مشاعره فإن دمعتين سالتا على خديه، لم يهتم أحد أن يمسحهما، فضيق الرزق وصعوبة المعايش جعلتا والديه عاجزين عن التعاطف مع طفلهما الوحيد، الذى يفقد أصدقاءه بسبب كثرة الانتقال. الصداقة تحتاج وقتا وألفة وكيمياء روح. وها هو ذا يفقد صديقا تلو الآخر. وفى كل مرة يفقد جزءًا من روحه. ذهب شريف صديق بنها. وعلىّ صديق كفر الزيات. وانتهت علاقته بمحمد من طنطا. واليوم يفارق سعيد الزقازيق. وفى كل مرة تنهمر الدموع غزيرة ويعرف القلق وعدم الاستقرار. ولأنه صار يتوقع الرحيل فى أى وقت فقد حرص بعدها ألا يتعلّق بأحد على الإطلاق.

الجدار مُصمت، والنافذة غير موجودة. ترى هل يمكنه أن يُلقى نظرة من الداخل؟ هل يستطيع أن يطرق الباب ويزعم أى شىء لمجرد أن يدخل غرفته القديمة. فليعترف الآن أن هذا البيت استقبله بالود منذ اللحظة الأولى. وحين دلف مع والديه منذ خمسين عاما فإنه أحس أن البيت يرحب به! هذه الغرفة بالذات. وراقت له الشرفة المطلة على حديقة صغيرة. وهذه النافذة الغربية المفتوحة فى جدار آخر، ألقى منها نظرة فتجمد فى مكانه. كان شريف صديقه من بنها يجرى هناك. ما الذى جاء به إلى هنا؟ ونادته أمه لشأن ما. وعندما عاد إلى الغرفة كانت المفاجأة المذهلة فى انتظاره. النافذة اختفت والجدار المصمت قائم كأنه سد منيع.

صعد على الدرج حاملا الستين عاما على كاهله ووقف صامتا مترددا أمام الباب. عندما استقرت الأسرة فى البيت وانفرد هو بالغرفة ليفض أسرارها المخبوءة، كانت النافذة المسحورة تظهر فجأة وتختفى فجأة. ومن خلالها يرى كل أصدقائه القدامى. وكان يلوح لهم ويلوحون له. ولكنه حين كان ينزل بسرعة لا يجد أمامه إلا الفراغ.

كانت فترة عجيبة فى حياته. ولطالما اتهم نفسه بعدها بالهلوسة، لكنه الآن وقد عاش كل هذه السنين صار أكثر تواضعا مع ألغاز الكون. وإلا فما التفسير لأن يفقد زوجته ويفقد أبناءه فى حادثة سيارة لا ينجو منهم إلا هو! العجوز الذى لم يعرف فى الدنيا سوى فراق الأحباب.

وهكذا عاد إلى بصيص النور الوحيد فى حياته. إلى النافذة المسحورة والبيت القديم. راح يطرق الباب باستماتة فانفتح له كقلب صديق. ولم يبال بالذين كانوا فى الصالة وشرعوا يرمقونه فى ذهول. وإنما هرع بسرعة إلى غرفته القديمة، وفاضت دموعه حين وجد النافذة موجودة، ومفتوحة على مصراعيها، يُلوّح له الأحباب الذين ذهبوا، ويحثونه على سرعة المجىء.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المصدر:المصرى اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.