أيمن الجندي يكتب | شيرمان مكوى

 أيمن الجندي يكتب

شيرمان مكوى

د.-أيمن-الجندى1

هذا فيلم يستحق أن تتأمله وتشاهده بالعناية التى يستحقها. شيرمان مكوى «الذى جسّد دوره» توم هانكس سمسار الأوراق المالية الناجح. ابتسمت له الحياة فأحس أنه على قمة العالم. إنه «سيد الكون» بلا مبالغة. الرزق يأتيه رغدا أسهل من اللازم. وعمولته ربما تصل فى الصفقة الواحدة إلى مليون دولار. ولديه شقة فاخرة وكلب لطيف وزوجة محبة رقيقة. لكن هناك التعوّد الذى يلدغ القلب، الازدراء الذى تولّده النعمة، والشعور بالاستغناء الذى تخلفه الظروف المواتية. المال والنجاح والشباب، وهكذا يشعر أنه «سيد الكون» بلا منازع. ومن حقه أن يحصل على ما يشاء، حتى لو كانت خيانة زوجية مع سيدة مترفة لاهية. لم يكن يدرى لحظتها أن النعمة لن تدوم له، وعالمه سينقلب رأسا على عقب، والغيوم السوداء تحتشد.

كانت عشيقته معه فى السيارة حينما ضل الطريق. وهكذا وجد نفسه فى أحد أحياء السود المليئة بالعنف والتحرش. ترجل عن سيارته فحاول الاعتداء عليه بلطجيان من السود، وبينما هى تفر بسيارته خُيل إليه أنها اصطدمت بأحدهما، ولكنه لم يكن متأكدا. وهكذا واصل حياته شاعرا بالطمأنينة، غافلا عن تداعيات سياسية يوشك أن يصبح ضحيتها.

حينما عرف أحد رجال الدين السود بوجود البلطجى بين الحياة والموت، فإنه استجاش مشاعر المظلومية ليصبح زعيما بين بنى جلدته. وهكذا تحول الهروب المشروع من بلطجى يطارده إلى مجرد رجل أبيض ثرى، صاحب مرسيدس بيضاء، لم يمد لضحيته يد المساعدة. تلقف الرواية صحفى فاشل على وشك الطرد، فصنع قصة من لا شىء وأجج الرأى العام حين نشرها فى صحيفته. وتصادف أن المدعى العام على وشك الترشح، ويريد أصوات الأمريكيين السود بأى طريقة. ولم تكن هناك فرصة أفضل للحصول على أصواتهم من الإيحاء بأن عدالته عمياء لا تميز بين أبيض وأسود، وغنى وفقير.

وهكذا بدأت الأنشوطة تلتف حول عنقه. صحفى يبحث عن فرصته، ورجل دين أسود يحلم بالزعامة، ومدع عام على وشك الترشح، وعشيقته التى شهدت ضده، ورأى عام يسهل تشكيله والتلاعب به. فى هذه الظروف بدأت محاكمته. فليكن أنه خان زوجته. فليكن أنه لم يعرف حق النعمة. فليكن حتى أسوأ رجل فى العالم، المهم أنه لم يرتكب هذه الجريمة.

كما تعودنا لا يهمنا تقصى أحداث الفيلم. فقد وظيفته. هجرته زوجته. ترك بيته. أرته الحياة بعد النعمة وجهها الخشن. من حسن الحظ أن ضمير الصحفى أفاق فى اللحظة الأخيرة. من حسن الحظ أن القاضى الأسمر اللون أدرك المكيدة، وقضى ببراءته. العدالة ليست أن يُلقى المدعى العام إلى الحشود الغاضبة برجل لم يرتكب الجريمة من أجل غايات سياسية. العدالة ليست أن يكذب الشهود ويتواطأ رجال الدين للحصول على الحصص الكبرى. العدالة هى تطبيق القانون. والقانون ليس صفقة أو حيلة أو حتى وجهة نظر.

قديما قال الأجداد: «يا ما فى السجن مظاليم». فلنحذر أن يكون فى سجوننا الآن «شيرمان مكوى» آخر، نغض النظر عن وجوده بالسجن لمجرد أننا نكرهه. فلنتذكر أن الرأى العام يسهل توجيهه والتلاعب به. ولنتذكر أن القاضى المنوط به تحقيق العدالة لا يجب أن يهتم إذا ما كان «شيرمان مكوى» رجلا كريها بحق، أو حتى اقترف عشرات الجرائم الأخرى. المهم هل ارتكب «شيرمان مكوى» هذا الجرم بالتحديد أم لا؟ هذا هو ألف باء العدالة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.