أيمن الجندي يكتب | مآلات التفاحة الذهبية

أيمن الجندي يكتب | مآلات التفاحة الذهبية

د.-أيمن-الجندى1

 

كانت ماريا تفاحة ذهبية، ولم أكن أعرف مآلات التفاحة الذهبية.

على أعتاب المراهقة كنت مشغول البال بطنط «إيرينى». إذا شئتم الدقة فإن اهتمامى بها كان فرعاً من اهتمامى بابنتها «ماريا». البنت الوحيدة فى محيط عالمى التى ترتدى فستاناً بلا أكمام تبرز منه كتفان مستديرتان شاهقتا البياض. ثم يضيق الفستان عند خصر محبوك وأرداف وفيرة. كانت فى السابعة عشرة من عمرها تملك قوام امرأة فى الخامسة والعشرين. ماريا، البنت اليونانية التى تكبرنى ببضعة أعوام، وتمثل الإلهام لمشاعرى المضطربة التى تهفو نحو الأنوثة.

لم أكن أرى طنط «إيرينى» إلا من العام إلى العام. ولمزيد من التحديد أراها فى العطلة الصيفية. عندما أذهب إلى شقة خالى الواقعة فى شارع لاجتيه، قريباً من الدروب المنحنية التى تفضى إلى لجة البحر الأزرق. فى المسكن المقابل بالضبط، وفى الدور الأرضى منه كانت شقة طنط «إيرينى». لا أذكر الآن اسم زوجها، مثلما أنسب بيتى القديم لأمى! الأرض ترثها الأمهات وجميع الأشياء الحقيقية، بمقدار ما يبثثن الحياة فيها ويبسطن الرعاية عليها.

كنت أتطلع إلى ماريا بمقدار ما يتطلع صبى إلى فتاة يافعة تكبره أربعة أعوام بحساب السنوات، وبعشرة أعوام بحساب النضج والواقع. أطول وأبهى وأشهى. وأنا على أعتاب المراهقة تأخذنى دوامات الرغبات الغامضة التى تدفعنى لاكتشاف الكون من حولى. وكان حيائى الفطرى يمنعنى من الاقتراب برغم أننى لم أكن فى عينيها إلا صبيا. لكن طنط «إيرينى» كانت تمنحنى بعض الاهتمام كلما شاهدتنى من العام إلى العام، وحين تبادلت الحديث الودود ذات مرة مع أمى كنت فخورا ومنفعلا.

كانت تقف بعد الأصيل فى الشرفة بفستان بلا أكمام يبرز منه ساعدان مكتنزان بجوار أمها العجوز. ولم تكن فى رأس الجدة شعرة بيضاء واحدة. وكانتا نادرا ما تتبادلان الحديث، أو تلمع فى عيونهما نظرة اهتمام بالذى يدور فى الدرب السكندرى الذى لا يخلو من الحركة. ولطالما تساءلت أتراهما تحنان لأرض الأجداد اليونانية! أم اتخذتا بالفعل من الإسكندرية وطناً! كان الجيران يعاملونهم بود لكنه يخلو من الندية. وكأن هناك شيئاً يذكرهم على الدوام بأصولهم الأجنبية. برغم أن زوجها كما أذكر يعمل فى إحدى الشركات الوطنية ذات الصلة بالملاحة.

وكنت بمراهقتى واستغراقى فى الأحلام أتخيل الظلم الواقع عليهم. وتجتاحنى أحلام اليقظة أن أصبح كبيراً وثرياً وأنقلهم إلى سعة العيش. وكانت دائماً «ماريا» فى أحلامى بشعرها البنى وعينيها العسليتين وبشرتها الذهبية. وكان لا بد لبطل الحلم أن يجد لنفسه دور البطولة.

لم أكن أعرف وقتها أن زواج ماريا برغم جاذبيتها الطاغية لم يكن بالشىء السهل. فمثيلتها جديرة بأن تُحب وتُغازل. ولكن وقت الزواج تتدخل التقاليد وتثور المحاذير حول أصلها الأجنبى. ولم أكن أرى هذا عادلاً. «ماريا» غذاء ملكات النحل. ماريا التفاحة الذهبية.

لكن شيئاً مهماً لم أنتبه إليه ساعتها. لماذا تبدو طنط إيرينى ناضبة برغم أنها على مشارف الأربعين، فى ذروة نضج الأنوثة! لو كنت أعلم ما استغربت وقتها ما سيحدث بعد عشرين عاماً، حين مررت على الشرفة القديمة فلم أجد الجدة. ولكن وجدت «طنط إيرينى» وقد صارت عجوزاً تماماً، أما الذى أوجع قلبى بحق فهو ماريا التى أصابها النضوب وصارت تحمل ملامح أمها. التفاحة الذهبية ذات البشرة الملساء والنكهة المغرية قد غزاها الذبول وأصابها التغضن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.