أيمن الجندى يكتب | محسن

أيمن الجندى يكتب | محسن

د.-أيمن-الجندى

هل تذكر شبابك المبكر! لو افترضنا أنك كنتَ، مثلى، شابا مستقيما رباه والداه جيدا. يعود إلى البيت فى مواعيد محددة. ولا يمكن أن يتأخر عن الحادية عشرة مساء. ولا يجرؤ أن يحدث والديه بدون احترام. ويتصور الموت ولا يتصور الفضيحة، خصوصا النسائية منها. وحتى فى قصص حبه وغزله البرىء لفتيات كانت له حدود لا يستطيع أن يتجاوزها. الرسوب عند أمثاله كارثة تستحيل الحياة بعدها. ولا يسامح نفسه لو تسبب فى إزعاج جيرانه.

هل تذكرون؟ فى هذه المرحلة نفسها كان هناك مراهقون متمردون. يتأخرون فى عودتهم إلى بيوتهم! وأحيانا يتشاجرون مع أهاليهم فيختفون بضع ليالٍ مع أصدقائهم. هؤلاء الذين عرفوا طريقا مبكرا إلى أجساد النسوة. وتعاطوا الحشيش والأقراص المخدرة. وتشاهدهم يتشاجرون فى جماعات وشلل. لهذا العالم سحر خاص وقوانين غامضة تشبه قوانين المافيا. هناك رجولة وجدعنة وقسوة. «أخوية الانحراف» لو جاز التعبير. هذا العالم الغامض بالنسبة للشباب المستقيم كنت أجهله تماما، وظللت طيلة عمرى أسير هذا السؤال الحائر: ما الذى يحدث لهم بعد أن يكبروا ويلتحقوا بركاب العالم الواقعى؟ ولماذا يختفى ذكرهم بعد أن كانوا ملء السمع والبصر؟ بعبارة أكثر صراحة: ما الذى يحدث لهؤلاء الشباب «الصيع»؟ هل ترفق بهم الأيام التى لا ترفق بأحد؟ هل لهم معاملة خاصة؟ أم تراهم هم الذين تغيروا؟

اسمه «محسن»، ابن الحى الذى أسكنه، واحد من هؤلاء المراهقين المتمردين الذين حفظتهم ذاكرتى. نبهنى أخى الأكبر أن أحذر منه. ولوى والدى وجهه فى ازدراء وقال إن الحياة ستطحنهم. لذلك اكتسبت حرصا غريزيا كلما حاول أن يتودد لى أو يحدثنى. لكن خيالى المحموم كان يتوقد فضولا لحياته الغامضة المليئة بالمغامرات والأحداث المثيرة. وكنت أقع أسير التناقض: أبتعد عنه كأنه النداهة التى تستدرجنى إلى الهاوية، وفى الوقت نفسه أتحرق للعالم المجهول الذى يمثله.

أخبرنى أخى بأنه فاشل فى الدراسة. وشاهدته يصاحب نساء أكبر منه عمرا. وكان يظهر دائما فى المنحنيات المظلمة، لذلك كنت أشاهده كلما تصادف أن عدت لمنزلى متأخرا.

ومضت الأيام كما لابد أن تمضى. وانتقلت إلى مراحل تالية متتابعة. دلفت إلى عالم الكبار واكتشفت الدنيا بنفسى. لكن ظلت دائما مناطق مجهولة منعتنى هشاشتى من أن أكتشفها. من ضمن هذه الأحاجى ماذا تصنع الدنيا بهؤلاء الذين كانوا ملء السمع والبصر فى مراهقتهم؟ ولماذا تختفى أخبارهم فى مطحنة الحياة القاسية؟

وفجأة شاهدته. بعد ثلاثين عاما عاد محسن إلى عالمى. فى المستشفى الخاص الذى أعمل به وجدته أمامى. عرفته على الفور برغم كهولته. اختفى تعب اليوم الحافل، وشعرت بيقظة وتحفز. ها أنا على أعتاب إجابة السؤال الذى حيرنى. الآن أعرف ماذا فعلت الحياة بالمراهقين المتمردين فى كهولتهم!

بادئ ذى بدء وجدته موظفا صغيرا فى شركة حكومية. لم يبد عليه أنه عرفنى. وبرغم ذلك كان سلوكه منفلتا. وفهمت أنه كثير المشاكل، كثير التغيب، متعدد الإجازات المرضية. الإدارة مستاءة منه، لكنها لا تملك فصله. وابتسمت حين راح يصيح ويملأ المستشفى ضجيجا. هذا هو محسن الذى أذكره، ولكن بقناع التجاعيد وطلاء الشعر الأبيض.

هل قست الأيام عليه؟ أم رأفت به؟ هل خسر كثيرا بانفلاته أيام شبابه؟ أم أن الحظوظ تتساوى فى نهاية الدرب؟ جواب هذه الأحاجى أتركها لفطنتكم.

 

 

 

 

 

المصدر:المصرى اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.