أيمن الصياد يكتب | عن «الحرية».. والاستبداد … قراءة فى السيرة

أيمن الصياد يكتب | عن «الحرية».. والاستبداد … قراءة فى السيرة

ايمن الصياد

فى محاولة لالتقاط الأنفاس، والابتعاد عن جدال لا أظنه صار يجدى.، وعن حديث يُفسد البعض صيامَه عادة تعليقًا عليه، اخترت أن أخصص، بإذنه تعالى، مقالات هذا الشهر «رمضان» لقراءة جديدة فيما تيسر من سطور فى كتب قديمة. الكاتب هو الأديب الراحل عبدالرحمن الشرقاوى، والكتب (الصادرة عن «دارالشروق») هى سلسلته المميزة التى بدأها بمحمد رسول الحرية (صلوات الله وسلامه عليه) وختمها بعلى إمام المتقين (رضوان الله عليه)..

صصصص

«و ما أحسب كتابًا جديدًا أكتبه، يمكن أن يضيف حقيقة جديدة إلى ما كُتب فى السيرة».. هكذا صَدَّر الشرقاوى مقدمة كتابه «محمد رسول الحرية»، وأظنه كان على حق. فالوقائع هى الوقائع. والمرويات لا تكاد تتباين، وإن «تنافست» أحيانا. والبادى أن الشرقاوى فى كتابه الذى استغرق فى كتابته عقدا كاملا من الزمان لم يكن براغب فى أن يكتفى «بنقل» ما سبق أن قَصَه الأولون من وقائع ومرويات، وإنما كان يريد أن يفهم، وأن يضع «وقائع ما جرى» بجوار بعضها. لا ليؤكد صدق الرسالة أو معجزات النبى، بحقيقة هنا، أو مبالغة لا حاجة لها هناك. فهذا مما لم يعد بحاجة إلى تبيان. وإنما أراد بكتابه ما وراء ذلك مما هو «إنسانى» يشترك فيه كل الناس مهما تختلف دياناتهم وفلسفاتهم وعصورهم أو أماكن معيشتهم.

بدأ الشرقاوى العمل فى كتابه سنة ١٩٥٣ وبدأ فى نشره على حلقات فى جريدة «المساء» فى عصرها الذهبى سنة ١٩٦٢، ثم كان أن صودر الكتاب، الذى لم يرق ما فيه لرجال دين لا يعرفون غير «السمع والطاعة»، ولا يحبون التفكير «خارج الصندوق»، كما لم يكن الكاتب «مستقل الرأى» الذى سجنه إسماعيل باشا صدقى، ومنع النظام الجديد كتاباته إبان أزمة مارس ١٩٥٤ من النوعية التى يرتاح لها رجال الأمن على أية حال.

صودر الكتاب إذن، بعد أن جاء بلغة غير «مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا».. فشكا الكاتبُ إلى الرئيس. فأمر عبدالناصر بالإفراج عن الكتاب… وأصبحت «الحكاية»، فى تفاصيلها تجسيدًا لموضوع الكتاب ذاته، الذى يحكى مشهدا تاريخيا للصراع الأزلى/ الأبدى بين «الحرية» التى فُطر الناس عليها من ناحية، وبين «استبداد السلطة» من ناحية أخرى.

•••

يبدأ الكتاب بعرض «أدبى» لكيف كانت الحياة فى «مكة» زمن الجاهلية. وسرعان ما يدرك القارئ كيف كانت «الحرية» يومها، بمعناها المطلق «بل والمباشر» هى القيمة الأكبر، وهى أيضًا السلعة أو «العملة» الأولى. لظروف بيئية وجغرافية، اعتمدت الحياة الاقتصادية فى «مكة» أيامها على التجارة. وأصبحت يومًا بعد يوم مدينة تحكمُ التجارة فيها كلَ العلاقات الاجتماعية. وأقيم بناؤها الروحى والدينى والثقافى، ومن ثم «السياسى والسلطوى» على أساس البيع والشراء والربح. أصبح الرجل بقدر ما يملك. وأصبح الربح هو الغاية مهما تكن الوسيلة إليه. وأصبح الأثرياء من التجار الكبار هم الحاكمون. ينشئون القواعد، ويفرضون التقاليد، ويضعون الأعراف والقوانين التى تصون لهم فى النهاية مصالحهم، وتضمن استمرارهم كطبقة حاكمة. لا تسمح، ليس فقط لعامة الناس، بل وحتى للتجار الأصغر بالاقتراب من «ناديهم». وكانت «الحرية»، أو بالأحرى المقايضة عليها رقما رئيسًا فى المعادلة، وأسلوبا فجا لترتيب هرم السلطة.

إلى جانب الأغلبية الساحقة من الأجراء والعبيد، الذين لا يملكون قرارًا، كان على التاجر الصغير أن يستدين ليعمل. وإن خسر ماله أو عجز عن أداء دينه. كان عليه أن ينزل للدائن عن «حريته». فيصبح «عبدًا» له حتى يقتضى منه الدائن ماله. وضمانا لاستمرار منظومة «الطبقة الضيقة» الحاكمة، كانت القواعدُ تقضى بأن يحسب الدائن دينه أضعافًا مضاعفة عند حلول أجل الدين، وهكذا كان المدين ينزل عن «حريته» لسنوات وربما لآخر العمر. بل وكان من القواعد أيضا أن يرتهن الرجل ولده أو امرأته أو ابنته أو أحدًا من أهله، فإن عجز عن السداد، أصبح الرهن متاعًا للدائن يستعبده ويستمتع به «أو يؤجره للمتعة». كان «القهر» أسلوب حياة.. أو بالأحرى «آداة حكم وسلطة».

ولما كانت قوافل التجارة تقطع المسافات الشاسعة، فقد آثر سراة مكة أن يشتروا العبيد من أفريقيا ويدربوهم على السلاح ليقوموا بحراسة القوافل خارج مكة من ناحية، وليكونوا أداة لحماية سادتهم، والمحافظة على «النظام» داخل مكة من ناحية أخرى. يسودهم «الفرسان»، الذين هم جزء من الطبقة المتنفذة. وهكذا أصبح لمكة، أو بالأحرى لسادتها جيش وشرطة. وأصبح «النظام» تجسيدا «للأوليجاركيا» فى صورتها الثلاثية التقليدية: المال والسلطة ويد البطش الغاشمة.

•••

ولم يكن «الدين»، أداة السلطة المفضلة والمؤثرة بعيدًا عن ذلك كله. بنى إبراهيم أبوالأنبياء الكعبة «مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا». ثم كان أن بقيت الكعبة، وغابت تعاليمُ إبراهيم. عادت الأصنامُ لتحتل مكانَها حول الأسوار. وأصبح «البيت» ناديا لأصحاب السلطة من قريش. تمنحهم الأصنامُ مزيدا من القوة والجاه والنفوذ.. بل والثراء. فإليها يحج العرب ثلاثة أشهر من كل عام، يقدمون الهدايا والقلائد والأموال والنذور إلى الأصنام، أو بالأحرى إلى الذين يحكمون «ويملكون» باسم الأصنام. ثم إنهم يستثمرون أموالهم فى البيع والشراء «والربا» خلال أشهر الرواج تلك.

كان المال والنفوذ والسلاح «والكعبة» للسادة فى السلطة. ولم يكن للآخرين شىءٌ يحميهم، لا القانون ولا العرف السائد ولا التقاليد.. ولا «الآلهة». كان المجتمع تمييزيًا بامتياز. وكانت الأوضاع «مستقرة».

•••

وكما كان أن أوجدت منظومة القهر والخوف الاجتماعية السائدة تلك عادة «وأد البنات» لتجنب خزى الاضطرار إلى أن يُرتَّهن يوما، أو يؤخذن للتمتع بهن قضاءً لدين، كان أن أوجدت «الأوليجاركيا» المكية ثوارها الرافضين لمنظومتها الاستبدادية ونظامها الفاسد. فكان الهاربون إلى البادية من خزى الحياة أذلاء فى مكة، يكونون جماعات تهاجم قوافل الأغنياء وتنتزع لقمتها بحد السيف. كما كان فى مكة رجال «تحرروا» بفكرهم من إسار ذلك كله فخرجوا عليه، عرفهم محمد بن عبدالله صغيرا «قبل الدعوة» منهم ورقة بن نوفل الذى وجد فى المسيحية ضالته، وأمية بن أبى الصلت الذى طالب تجار قومه بأن «يعدلوا» فأبعدوه. ومنهم زيد بن عمرو الذى طالب الرجال بدلا من يئدوا بناتهم، أن ينقذوا أنفسهم من العار بالامتناع عن تسليم نسائهم للمرابين وفاء للديون. ولكن «النظام» المستقر وثقافته كان أقوى، فلم يستجب له المستضعفون ونفاه كبار مكة خارجها.

•••

وسط ذلك كله، أتى محمد. أو بالأحرى أتاه الوحى. لا ليهدم الأصنام فقط كما فعل جده إبراهيم، بل «ليُسقط النظام» كله. وكان قد أدرك مبكرا أن النظام فى قريش بتركيبته الاجتماعية والاقتصادية والسلطوية، يحتاج هذه الأصنام. فلا نظام يقوم على الاستبداد إلا ويحتاج صنما يؤلهه. فالصنم فى النهاية ليس مجرد حجر، بل هو تجسيدٌ لثقافة نظام.

وكان من الطبيعى أن يكون أكثر من اتبع «الرسول» فى البداية هم المستضعفون والمظلومون، ثم أولئك المؤمنون بالحرية والعدل. ثم كان من الطبيعى أن ينتفض «النظام القائم» دفاعا عن نفسه.

وفى غير موضع يحكى لنا الشرقاوى فى كتابه تفصيلا (ما لن تسمح به هذه المساحة) كيف يتوحش «سادة النظام» دفاعا عن مصالحهم. سواء بما فعلوه سابقا مع ثوار ما قبل الدعوة من مثل زيد بن عمرو بن نفيل وخالد بن سنان، أو ما فعلوه لاحقا، بالترغيب والترهيب مع صاحب الدعوة «الهادرة» محمد بن عبدالله ورهطه وعشيرته، وبالطبع من تبعه من المؤمنين.

وكيف «بحثا عن الاستقرار» وإيثارًا للسلامة، تُرفض الأفكار الجديدة، حتى من جانب كثير من الذين من المفترض أن يستفيدوا منها. وكيف يقهر الظلم والحاجة إرادة الإنسان «الحرة» فى التغيير والاختيار. وكيف تعصف «لحظة اللا يقين» بعقول الناس فى لحظات التغيير الكبرى. فيتشاحنُ أصدقاء العمر (عمر بن الخطاب وحمزة بن عبدالمطلب). ويكيدُ الرجل (أبولهب) لابن أخيه وصهره. ويشج ابن الخطاب رأس أخته فاطمة.

ثم يحكى الشرقاوى كيف تسبب قرار غبى لقريش فى إقصاء نفر منهم (بتوقيع صحيفة مقاطعة بنى هاشم) فى ازدياد عدد الذين صاروا مع محمد.

ثم كيف لم تنجح كل مقاومة لنظام قريش المستبد الفاسد فى إطفاء شعلة «الحرية»

•••

وبعد..

فهذا ما سمحت به المساحة من قراءة فى سطور سيرة نحتاج أن «نتعلم منها»، لا أن نكتفى بأن نحفظ نصوصَها، أو «نحْمِل أَسْفَارها».

وهذا هو عبدالرحمن الشرقاوى، اليسارى صاحب «الأرض»، الذى نصره عبدالناصر، واعتبره بعض الشيوعيين «مرتدا»، واعتبره بعض «الإسلاميين» قريبا من ذلك.، والذى ختم حياته الأدبية الفكرية «الرحبة» بنتيجة لخصها فى عبارة: «عودوا إلى الإسلام الحق تجدوه أكثر تقدما من كل الفلسفات البشرية..»

ثم يبقى.. أن «السَّيْرَة: الضَّرْبُ من السَّيْرِ» كما يقول المحيط ولسان العرب. وليست فقط ما درجنا على استعمال اللفظ للدلالة عليه.

وقد لا تكون رواية الشرقاوى «الأدبية» لسيرة الرسول، وافية مكتملة أو دقيقة تماما، «جامعة مانعة» كما يقول المناطقة، فهكذا الأدب، بل وهكذا روايات التاريخ. ولكنى أحسبها صحيحة تماما فى توصيفها للصراع الإنسانى «المتماثل» فى كل الأزمان والعصور والآفاق بين «الحرية» من ناحية «واستبداد السلطة الأوليجاركية» من ناحية أخرى. فقريش/ السلطة المستبدة لم تكن فقط زمن محمد.. صلوا عليه وسلموا تسليما.

 

 

 

 

 

 

 

المصدر:الشروق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.