أيمن الصياد يكتب | ما بعد الحرب الباردة.. أسئلة العرب «القديمة»٠

أيمن الصياد يكتب | ما بعد الحرب الباردة.. أسئلة العرب «القديمة»

ايمن الصياد

إلى شاطئ الخليج الذى كان الخلاف القديم حول اسمه ربما إرهاصا مبكرا لعواصف مستقبل تحاول خرائطه أن تستقر على مسمياتها. كان إبحارى قبل أيام من «عمان» الراقدة بين عشرين جبلا، إلى «أبوظبى» المضيئة بين الخليج والصحراء. لم تكن فى العاصمتين غير طاولات حوار تبحث فيما نحن فيه.. وما نحن إليه. تختلف العناوين أحيانا، ولكن الأسئلة تظل تقريبا واحدة.

بعد يوم طويل من النقاش الثرى فى عَمَّان / الأردن بين نخبةٍ عربيةٍ محترمة حول طاولة «المجلس الاستشارى» لتقرير الأمم المتحدة عن «الإنسان» العربى (AHDR)، كان على أن ألحق بجلسات الملتقى الاستراتيجى الأول (أبو ظبى)، على الناحية الأخرى من «صحراء العرب»، والتى تَعرف بقدر اتساعها تاريخا طويلا خطه على رمالها تراثُ أهلها وأطماع عابريها. وكان قد أغرانى بقبول الدعوة الكريمة بالمشاركة «متحدثا» فى جلساته، بل وحرضنى عليها عنوان الملتقى ونوعية المشاركين؛ حيث نخبة أخرى «وأصوات أخرى»؛ عابرة للمحيط والخليج. كان بينهم رؤساء حكومات ومسئولون تنفيذيون كبار حاليون وسابقون؛ من أوروبا والولايات المتحدة وروسيا والصين وإيران وتركيا… إلخ. فضلا عن باحثين وصحفيين بارزين أذكر منهم دافيد إجناثيوس David Ignatius (المحرر المشارك فى الواشنطن بوست) الذى أدار جلسة الحوار الخاصة بمصر.

على مدى تسع جلسات كاملة، وتحت عناوين منها: «أثر استراتيجيات القوى العالمية الكبرى ورؤاها الأمنية، وكذا الأثر الجيوسياسى للمشاريع الإقليمية على الخليج والشرق الأوسط» دارت حوارات الملتقى الدسمة جدا «والساخنة جدا». على أرضية حددتها ورقة النقاش الرئيسية التى طرحتها مديرة الملتقى «د. ابتسام الكتبى» فى نقاط يمكن إجمالها فيما يلى:

• أن النماذج النظرية لفهم وتوصيف النظام الدولى ما بعد الحرب الباردة (القطبية الأحادية / التعددية / الفوضى وانعدام التوازن) لم تقو على تفسير كل المتغيرات فى حركة النظام الدولى الجديد مما يستلزم قراءة جديدة لهذا النظام.

• تغيرُ طبيعة العوامل المُحَرِّكة للصراعات والنزاعات فى النظام الدَّولى، والتى لم تَعُد اقتصادية فحسب، وإنّما حضاريّة ودينية وطائفية.

• ظهور متغير الأقليات، الذى بات يُهدد دولا كثيرة بظهورِ حركات انفصالية، أو مطالبات بالاستقلال.

• تصاعد دور الفاعلين من غير الدول، وتشابك دورهم مع مصالح وأهداف قوى إقليمية ودولية.

• انفجار الجغرافيا السياسية الناتجة عن تفكك الإمبراطورية العثمانية والهندسة الاستعمارية الأوروبية (سايكس ـ بيكو).

• دخول بعضِ القوى الإقليمية «غير العربية» مثل إيران وتركيا، لاعبا داخليا فاعلا فى المنطقة ومؤثرا فى أزماتها وتوازناتها.

• تَداخل الثّورات العربية معَ التحوّلات الدولية والمشاريع الجيوسياسية.

• دخول المنطقة فى حرب طائفية، لا يمكن التكهن بالمدى الذى ستصل إليه.

• ازدياد فاعلية التطرف الدينى فى المعادلات الحاضرة.

• إن حالة الاستنزاف المتبادل بين المشاريع والقوى الإقليمية لن تؤسس لقيام نظام إقليمى مستقر، بل قد تغير خريطته؛ بما يجعل أى نظام إقليمى قادم يحمل بذور انهياره داخله.

• إلى جانب دول المنطقة التى تعيش حالة من عدم الاستقرار، هناك دول أصبحت أراضيها ميدانا لحروب بالوكالة بين المشاريعِ الجيوسياسية الإقليمية والدولية.

• لا يمكن التنبؤ بنتائج الحملة الدولية على «داعش». كما أنه ليسَ مُمكنا النّجاحُ بالقضاءِ على مثل هذا التنظيم دون محاربةِ البيئةِ المحفِّزة التى أنتَجت هذه الظاهرة.

• لا يصِح لبعضِ الدولِ الزعم برغبتها بمحاربة الإرهاب فى الوقت الذى تحفز سلوكاتها على بقائه وتصاعده.

• علينا أن نفكر فى مخاطر «ما بعد الداعشية»؛ فانهيار تنظيم «داعش»، سيقود إلى تشتيت «خريطة بشرية قتالية» هويتها الأمنيّة غير مضبوطة؛ الأمر الذى ستنتج عنه مخاطر أمنيّة إقليمية ودوليّة.

•••

إقليميا، طرح الملتقى ثلاثة أسئلة رئيسة:

1- والحال هكذا، فإلى أى مدى يحتمل النظام الإقليمى فكرة القطب الإقليمى الواحد، أو حتى مفهوم القوة العظمى الإقليمية، خاصة بعد ما بدا من صراعِ المشاريع الجيوسياسية فى المنطقة، وانحسار قوة بعضها وإعادة ترتيب أولويات بعضِها الآخر؟

2- إلى أى مدى يمكن وضع قواعد جديدة، يتفق عليها الجميع لوقف تصادم الرؤى الأمنية للقوى الإقليمية والدولية، والبحث عن نقاط الالتقاء التى تعزز التعاون، وتساهم فى بناء نظامين إقليمى تَقل فيهما الصراعات والحروب؟

3- ثم إلى أى مدى يمكن بناء بيئة من التسامح والتعايش؛ وفق قاعدة المنافع المتبادلة، وحق كل إنسان بالاختلاف؟

أن تعيش بين نارين: حلب، ديسمبر ٢٠١٣ بعد غارة بالبراميل المتفجرة

سؤال «الأمن والاستقرار» فى منطقة اضطربت وشبعت من الدماء، لم يكن مجرد سؤال ورقة بحثية فى قاعة «تتلاقح فيها العقول»، بل كان هاجس مرحلة وسؤال شارع وساحة وبلدة صار وكأن عليها أن تختار بين حكم مليشيا قادمة تتدثر بسواد التاريخ وشعاراته، وبين حكم طاغية يتعيش على مشاعر الخوف ويلعب بالبراميل المتفجرة. كما كان السؤال طبعا ضمن أسئلة دافيد إجناثيوس «صحفى الواشنطن بوست المخضرم» الذى طرح علينا، كعادة القادمين عبر الأطلنطى ثنائيات «الأمن والحرية.. والاستقرار والاقتصاد». وهى الثنائيات التى لم تغب ظلالها أبدا، وإن اختلفت المصطلحات والسياقات عن معظم النقاشات حتى تلك التى كانت على طاولات الغذاء والعشاء.

ولأننى من الذين قرأوا فى علم السياسة أن المجتمعات الديموقراطية هى الأقوى فى عالم اليوم، وأنها الأكثر حصانة تجاه توترات الداخل وتهديدات الخارج. كما أننى من الذين يرون، دون الاستهانة «بأرقام» دولية موثرة أن «معادلة» الإقليم وهمومه، ليست أكثر من «حاصل جمع» بلدانه ونظمه السياسية. وأننا فى التحليل النهائى بصدد «ناتج تراكمى» لثقافة حكم لطالما تنكرت لمبادئ المواطنة والمساواة وعدم التمييز، وأنه ليس من الحكمة فى شىء أن تتجاهل دورا تلعبة «البيئة المواتية» مكتفيا بإراحة النفس بإلقاء اللوم على المؤامرة أو الآخرين. فقد كان أن استدعيت إلى ذاكرتى حوار الليلة السابقة فى عمان حول «الإنسان» العربى. وكان أن تذكرت أن الأمن فى تراثنا هو «الطمأنينة». وأن الشعور بطمأنينة السكينة لا يمكن أن يكون له أبدا مكان داخل قفص من حديد.

فهل يمكن إذن مقايضة الأمن بالحرية؟(!)

ثم.. هل يمكن البحث عن الاستقرار، وهو مطلوب بلا شك عن طريق مقايضة رغيف الخبز (بمعنى توفير مستوى المعيشة الأفضل) بالحريات السياسية والاجتماعية المتعارف عليها، من قبيل حرية الرأى والتعبير، وحقوق المواطنة الكاملة للمواطنين دون إقصاء أو تمييز بينهم «بسبب العرق أو الدين أو الانتماء السياسى»، كما تنص على ذلك المادة ٥٣ فى الدستور المصرى الجديد، فضلا عن الاحترام الكامل «لحقوق الانسان وكرامته» وهو الحق المنصوص عليه أيضا فى هذا الدستور؟

بعض من طرحوا السؤال «هكذا» فى مناقشاتهم الجانبية، استدلوا بما اعتبروه نجاحا للتجربة التركية (!)

والحاصل أن السؤال «الجديد القديم» كان أن استدعى بدوره إلى الذاكرة قصة حدثت قبل حوالى ست سنوات، أى فى سنوات مبارك الأخيرة. إذ كان أن أرسل لى أحد وزراء المجموعة الاقتصادية البارزين (وهو فى الوقت ذاته أكاديمى دارس للسياسة والاقتصاد) بمقال لأنشره فى «وجهات نظر» التى شرفت برئاسة تحريرها. المقال الطويل الجيد كان قراءة تحليلية فى كتاب جريجورى كلارك Gregory Clark أستاذ التاريخ والاقتصاد بجامعة كاليفورنيا ـ ديفيز ورئيس قسم الاقتصاد بها، والمتخصص فى تحليل النمو الاقتصادى طويل الأجل وثروات الأمم. عنوان الكتاب الذى يقع فى ٤٢٠ صفحة كان «وداعا للهبات» A Farewell to Alms, A Brief Economic History of The World ويخلص فيه أستاذ تاريخ الاقتصاد البارز بعد عشرين عاما من البحث إلى نتيجة مختصرة مفادها أن «النمو الاقتصادى وحده لا يكفى لنقل بلدانه من التخلف إلى التقدم، كما أنه وحده لا يكفى لضمان مجتمعات مزدهرة مستقرة». ولأن المعتاد أن المقالات فى مثل تلك المطبوعات تأخذ وقتا إلى أن يحين دورها فى النشر، فقد كان أن اتصل بى الوزير / الكاتب راجيا أن أنشر المقال فى أول عدد قادم. والسبب، وهنا مربط الفرس أن إحساسا بالاطمئنان إلى ما كانت تقوله الأرقام وقتها من معدلات نمو اقتصادى مرتفعة فى مصر كانت تسود أروقة الحكم «والسلطة»، وأن الوزير «الاقتصادى» كان يريد لما فى المقال من حجة أن يساعده فى أن يقنع أصحاب القرار بأن «النمو الاقتصادى وحده لا يكفى».

استجبت للرجل ونشرت المقال. وسألته بعدها: هل استوعبوا الدرس. إجابته على الهاتف: للأسف لا. أما الإجابة على الأرض فقد كانت فى ميدان التحرير ظهيرة الخامس والعشرين من يناير. وتعلمون جميعا التفاصيل.

المقدمات تؤدى بالضرورة إلى نتائجها. هكذا يقول المنطق.

وتكرار المقدمات ذاتها يؤدى إلى النتائج ذاتها.. هكذا ينبهنا أينشتين.

•••

وبعد..

فبعيدا عن أسئلة دافيد إجناثيوس، أو تلك المتناثرة «الساخنة» على طاولات طعام لم يتوقف حولها النقاش والجدال. فقد بات واضحا أن الثنائية «المختزِلة» التى أصابت حتى نخبتنا كسِمةٍ من سمات المرحلة بدت حاضرة وواضحة، ليس فقط فى مداخلات أهل المنطقة العاكسة لتناقضاتها (بدلا من ثراء تنوعاتها)؛ عربًا وفرسًا وكردًا وسنةً وشيعة، فضلا عن ما كان طبيعيا بين أولئك الذين يتصورون إمكان إعادة عقارب الساعة إلى ما قبل ٢٠١١، وأولئك المشغولين بالمستقبل المحاولين إضاءة طريقه كسبيل وحيد للخروج بالمنطقة آمنة من تلك اللحظة المرتبكة. إذ كان مثيرا أن لم تخل جلسة واحدة من تناطح بين شرق «قديم» يمثله الروس والصينيون الحاضرون، وبين غرب «قديم» يعبر عنه أولئك القادمون عبر الأطلنطى والمتوسط.

بدا المشهد وكأن الذين سقطوا تحت أنقاض جدار برلين ١٩٨٩ يحاولون القول بأننا مازلنا هنا؛ «حاضرون»، حتى وإن غابت طرقات حذاء خرتشوف على منصة الأمم المتحدة، وحلت محلها طرقات ليلية على غرف الفنادق هنا وهناك.أما نحن؛ المأخوذون والمشدوهون بما يجرى فقد بدا فى حديث بعضنا، أو بالأحرى فى تجاذبات البعض ما قد نخشاه من أن «العربى التائه» كما عَنْوَن محمد حسنين هيكل كتابا له قبل سنوات، قد ضاعت بوصلته. وباتت سفينته تتخبط فى محيط لا يدرى له شاطئا، بين مغامرٍ مغيبٍ يستل سيفَه الصدئ من أعماق تاريخ أرهقه الثأر، وحاكمٍ فى مقصورته يتشبثُ «بصندوق الكنز» القديم، غير مدركٍ أنه لا فائدة فى الصندوق ولا كنزه إذا غرقت السفينة. أما أولئك الباحثون عن المستقبل فلم يعد لديهم فى ظنى غير المراهنة على جيل قادم.

 

المصدر:الشروق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.