إبراهيم عيسى يكتب | حين نرى عند طبيب العيون

إبراهيم عيسى يكتب | حين نرى عند طبيب العيون

ابراهيم-عيسى ـ أين ؟

– فوق.

– لا شىء فوق يا عزيزى.. كُلّه تحت.

أرى فى نغبشة عيونى عيونَه وملامحَه الممزوجة بالهواء المحيط بى.

– يا ابنى.. أنت عندك استجماتيزم.. يعنى ترى أبعاد الأشياء والأجسام بأكبر من حجمها الحقيقى، وعندما ترتدى العدسة تشعر كأن الأجسام أصغر من حجمها وعلى غير طبيعتها، أبدًا يا حمار.. أنت الذى لم تكن تراها على هيئتها الحقيقية، كنت تشعر بها وتشاهدها أكبر وأعظم وأنقى وأشرف وأصفى وأحلى وأنبل وأروع، ولكنك الآن تراها هكذا.. كما هى.. فكيف تراها الآن؟

– لا أريد أن أرى.

قلتها وتمنّيت أن تسقط عنقى الآن.

أمسك الطبيب بالعدسات التى تملأ صندوقًا مستطيلاً كبيرًا أمامه، أمسك بها واحدة بعد الأخرى، ثم نظر إلىّ وخلع عنِّى نظارته الحديدية، وأخذها نحو صندوقه، ثم فى ضربة تنخلع لها القلوب والعيون، هشَّم صندوقه وعدساته وأدواته، وأمسك بعنقى يخنقها وشعرت يده غليظة تتحوَّل إلى دائرة سوداء تضيق أمامى.. ويسألنى هو مُلِحًّا:

– أين الفتحة؟ يمين أم شمال؟

فأقول:

– فوق.

فيصرخ!

– يا ابنى لا شىء فوق، كُلّه تحت.

كأنه يكوى عينى، وضع الطبيب زجاجة القطرات النارية فوق أنفى أمام عينى، فأغمضتهما خشية الكارثة.

لكنه غرس أصابعه فى حاجبَى وفتَّش عن منفذ فى رموشى، فلما لم يجد اقتلعها شعرة شعرة حتى خَلَت جفونى أمامه من المقاومة، طعن عيونى بالقطرة وهو يزأر.

– ستجعل القطرة حدقتك تتسع وتفهم أنه لا شىء فوق، كُلّه تحت.

ثم خلعنى من المقعد ودفعنى أمامه مغلق العينين مسحوقًا برغبة سرطانية فى الانتقام فاستسلمت أكثر ليديه وصوته الصارخ.

– ربع ساعة ولا تفتح عينيك، هل تسمع؟

لم أنطق، فزاد صراخه:

– لقد قلت لا تفتح عينيك لا شفتيك.

فلم أنطق، فَلَكَم ظهرى وألقى بى فى غرفة مظلمة، وتكلَّم وهو يحكم إغلاقها بالمفتاح.

– هناك مقعد عن يمينك، اجلس.

سمعت انغلاق الباب قويًّا وأنا أطيعه بالجلوس على مقعد خشبى أحسسته ملتصقًا بالجدار، فأسندت رأسى عليه، وما أرى إلا ظلامًا يعلق على مشجبيه عيونى.

وتساءلت أخيرًا:

– ماذا يدور بالضبط؟

ضربت كفِّى على فخذى وهمست: ماذا يحدث لى؟ ما حقيقة هذه الأحداث التى تأكل ذاكرتى؟ مَن ركب كل هذا النحل فوق قفاى؟ ومَن أعطى الفرصة للفئران لتستولى على حكومة صدرى، وللقنابل لتنفجر تحت كرات دمى البيضاء؟

هل يملك أحد جوابًا لأسئلتى حتى إذا امتلك جوابًا لسؤال لم أسأله، فقط يجيب؟

خرج صوت من الجدار يخرت أذنى.

– كيف أنت الآن؟

التفت دون غضب.

– كما ترى، مُظلم داخل الظلام، هل لديك عود ثقاب؟

صرخ بصوت الطبيب.

– أنا أسألك عن فتحات الدوائر يا ثور، أين هى؟ فوق أم تحت؟

عرفته فأومأت برأسى.

– لقد أغلقت كلها.. الدوائر محكمة يا طبيبى.

همس مرة أخرى هسيسًا:

– أنت مريض غبى.. ليس هناك أغبى منك سوى طبيبك.

وجلجلت ضحكته.

وأحسست أن الجدران تتحرَّك، وأن الحائط يسير وأنا أمامه ملتصق به إلى الحائط المقابل، وأن الغرفة ذات الجدران الأربعة تقترب وتدنو حتى تختصر المسافات بينها إلى ما يكفى ذراعى كى تصافح الموت وتشكره.

ورغم هذا الانطباق الرهيب الذى يوشك أن يكسر ضلوعى، فإننى لم أفتح عينَى، وانكمشت، تقلَّصت.

لكنّ عينَى فجأة خانتا أوامر الطبيب وانفتحتا.. فإذا الجدران الرباعية تتخمَّس ثم تصبح الغرفة سداسية الجدران، سباعية.

تتشكَّل إلى غرفة غريبة يسقط طلاؤها مثل سرطان زجاج السيارات، يهتز سقفها وينفجر الأسمنت ويتحطَّم حديده المسلح وتتهاوى كتل الخرسان على الأرض.

وضعت كفِّى على رأسى..

وأغمضت عينَى أمام الهول الجديد.

ورفعت قدمى إلى قرص المقعد المستدير.

وطلبت أن أرى جثة الطبيب قبل أن أموت.

 

المصدر:الدستور الاصلى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.