إبراهيم عيسى يكتب | شق الأنفس

إبراهيم عيسى يكتب | شق الأنفس

ابراهيم-عيسى

المكان مغلق لكنه يحمل النسيم.. محاط لكنه فسيح.. مضىء بالتوهُّج لكنه مفتوح لخيوط الظلمة.. معطر بالرياحين ويزكم الأنوف ويوقف العيون ويغزل الجلود ويدفئ الأنامل
فلما همَّ بها وهمَّت به..

قيل لها..
إن مسّه حزن، وقُربه كرب، وحضنه هم.. فهو بكَّاء حزَّان، دامع أواه، مَن يقترب، يحيطه بعمره المحزون وقلبه المكلوم، وجرحه الموغل، وزمنه المبعد وأيامه الماضية ومستقبله الغائب وبلاده الكليلة.

فلما همَّ بها وهمَّت به..

قيل له: أتغرس الشجرة فى غير منبتها وتحصد السنبلة فى غير أوانها.. أتبنى فى قلبها حزنك وتصفر خضرها وعودها.. وتقصف زهرتها وتحنى غصنها.. إن الحزن قد مسَّك وحزنت وحدك، فلم القضاء يحكم والبلاء يتحكَّم، فيمرض البرىء ويصح المتهم.

فمضى متألمًا فوق حزنه، جريحًا على صحّته.

ولما دخل داره وصعد سلم بابه.. وأوى إلى فراشه نزل عن يمينه رقيب وهبط عن يساره عتيد.

أحاطاه حوطة الوليد وعانقاه عناق البعاد.

وشقا صدره.. ورسما حول قلبه سورًا.. وأزالا عروقًا ومضيا ينظفان عن اليمين والشمال.. ومسحا عرقًا عن جبينه وسترا عورته المحسورة عن ردائه.. أقاماه وحملاه.. عبرا به السقوف والجدران وأزالا به الحوائط والأسوار وصعدا به إلى جبل ضخم، منير لكنه مظلم، مزروع لكنه جدب، صخرى لكنه منبسط، فدخلا من كنف ومضيا فى سبيل.

ولما وصلا إلى باب جهم مصمت، وجدا ماء يترقرق من جانبه.. وخضرة تنمو على حوافه.. وحمامًا ينام أمامه، وبيضه يبرز من عشّه، ولمحا عنكبوتًا يحيط بسقفه.

طرقا الباب طرقة واحدة.

فطار الحمام وانتفض.. وغادر العنكبوت مأواه.. وانساب الماء مغادرًا.

وانحنى الزرع مبتعدًا.

دخلا وقد تفاديا دهس بيض الحمام.. وانغلق الباب فى لمحة.. أوقفاه ثم صعدا على كتفيه واختفيا عن مرآه، انتبه واشتد وتر القلب مدًّا.. وانخرط فى التأمّل أمدًا.. قيل له.. امضِ.. فمضى..

المكان مغلق لكنه يحمل النسيم، محاط لكنه فسيح، مضىء بالتوهُّج لكنه مفتوح لخيوط الظلمة.. معطر بالرياحين ويزكم الأنوف ويوقف العيون ويغزل الجلود ويدفئ الأنامل ويحيى العروق ويفتح المسام ويغزو القلوب.

ظهر الشيخ وحيدًا.

قادمًا تحفل به طيور سابحة وتحيطه بحور سائلة وتنسج حوله زروع خضراء صاعدة، تحته سجاد مفروش بخطواته، وتمتد شوارع ومدن وبلاد وزمن.. ظهر الشيخ محاطًا بالكون، قادمًا بالحياة.. جلس على عرش بعيد لكنه يدنو.

أمسك لحيته وتحسَّس ثوبه.. حرَّك ذراعه وأسند ساقه فوجدت نفسى لصق نفسى وعن جسمى ينزع ثوبى إلى ما يستر العورة، ويحمى الرجولة، لكن دفئًا غمرنى وقلبًا أحاطنى فشعرت الوصل والاتصال والقرب والتوحُّد والوجد والتآلف، هتف بى.

تعالَ أيها الفتى.

فاقتربت غير متهيّب.

سألنى: ما بك؟

قلت: إنى لمحزون يا شيخى.

انفرجت شفتاه عن بسمة.. وسأل:

لماذا حزن العيال ورب العيال يحبهم ويرعى سيرهم ويحكم سنهم ويقضى شأنهم؟

فأجبته: ربما الاختبار والبلاء وقضاء الرحمن عدل، وعدله قضاء.

فسأل: إذن قل لى.. أين أبوك؟

أجبته: فى غربته.. بينى وبينه أميال الصحارى وفضاء الحدود وأسلاك الهواتف وأسطر الرسائل ودمع الذكرى والنسيان يا سيدى.

فسأل: إذن قل لى مَن تحب؟

أجبته: الحب ظلم.. أحب فيظلموننى.

سأل: أتحب المستحيل يا فتى وتهفو إلى اللقاء؟

أجبته: الحب جرح وأنا مجروح خلقة.. فيدمى قلبى يا سيدى من نصله فأنزف.

سأل: وما صنعتك؟

أجبته: أحيط بالأفّاقين ويحيطنى الأفَّاقون، حديثهم إفك وكلامهم غدر وحروفهم جر وعراكهم نذل.

فسأل الشيخ وقد أرجع رأسه على مسند حريرى مطرز بالنعناع: أصلاة أم وصل؟

أجبته: أشعر بالوصل فى غير صلاة، وأدرك ربى فى وقتى، لكن صلاتى عجل ولهث وفقد، واتصالى حقيقى منفعل.

وضع كفّه على جسدى العارى.. وأحاط عنقى بالأصابع، وهبطت أنامله حتى قلبى، فاخترق الجلد والعصب وزحزح القلب من موضعه، فشخصت فيه كتلة من دماء وعروق وحبال ودقات متواصلة من طبل غريب خافت.

وضع أظافره الرقيقة النظيفة فى جدران القلب، فأخرج الوسخ وألقى السواد، ودغدغ الحصوات، وغسل العروق بماء صبّه من بطن كفّه ومسح بلعابه جذر شريان مثبت. وأعاد القلب موضعه وغمر الصدر بضغط يده، فعدت عودتى الأولى شاخصًا فى عينيه الرقراقة، سائلاً دون سؤال، متسوّلًا دون رجاء، نهض عن عرشه والطير حافات بجانبه والزرع والماء حياله، وقال لى:

يا فتى.. لقد نظَّفت قلبك ورسمت خطك وفتحت دربك وسوّيت حظك، لكن زمانك يبتلى والبلاء فيك، أنت المحزون لحزن الزمن، المجروح لجرح الليالى.

فالسهم الذى خرج من طوق الفضاء للأرض، أصابك حين أصاب وانغمس فيك حين انزرع.

ألم ترَ ندبة عالقة بجدار قلبك، ألم تلحظ موضع الحفر فى صدرك.. أنت المُبتلى بحزن الزمن.

فامضِ، حفظ الله عليك حزنك.. وستر جرحك.. عنها وقمت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.